رشيد خالص
رشيد خالص
الثلاثاء 16 دجنبر 2025 - 03:09

«شريران وهدف واحد»… أوروبا بين مطرقة ترامب وسندان بوتين

أثار غلاف مجلة DER SPIEGEL الألمانية (العدد 51، بتاريخ 12 دجنبر 2025) نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأوروبية، بعدما اختار تصويرًا صادمًا يختزل رؤيته لموقع أوروبا في النظام الدولي المتحوّل، تحت عنوان لافت:
“شريران، هدف واحد”، مع عنوان فرعي أكثر وضوحًا:
«كيف يهاجم ترامب وبوتين أوروبا».

الغلاف، الذي يجمع بين دونالد ترامب وفلاديمير بوتين في مشهد رمزي واحد، لا يندرج في خانة الإثارة البصرية فقط، بل يعكس قراءة سياسية عميقة تتبناها المجلة حول ما تعتبره تقاطعًا موضوعيًا في مصالح الزعيمين على حساب الاتحاد الأوروبي.

رمزية الغلاف: أوروبا على طاولة التشريح

تظهر أوروبا في الغلاف على شكل خريطة موضوعة على طاولة، تتوسطها راية الاتحاد الأوروبي، بينما يقوم بوتين بتشريحها بسكين، في إشارة إلى تفكيك النفوذ الأوروبي أو إضعاف وحدته الجيوسياسية. في المقابل، يبدو ترامب في وضعية الموجّه أو الداعم، بابتسامة توحي بالرضا أو الشماتة.
هذه الصورة تختزل، وفق هيئة تحرير المجلة، فكرة محورية هي ان أوروبا لم تعد شريكًا مركزيًا في حسابات القوى الكبرى، بل تحوّلت إلى ساحة صراع ومجال ضغط متبادل.

ترامب يبتعد عن أوروبا ويعيد خارطة التحالفات

في الملف الرئيسي للعدد، تتوقف دير شبيغل مطولًا عند السياسة الأمريكية الجديدة، خاصة بعد نشر استراتيجية الأمن القومي الأمريكية، التي ترى المجلة أنها تؤكد تحولًا استراتيجيًا واضحًا في موقف واشنطن من أوروبا.
وتذهب المجلة إلى حد وصف هذا التحول بـ«الخذلان»، معتبرة أن ترامب يعيد النظر في التحالفات التقليدية عبر الأطلسي، ويتعامل مع الاتحاد الأوروبي كعبء اقتصادي وسياسي، في نفس الوقت الذي يفتح فيه قنوات تقارب براغماتي مع موسكو، ولو على حساب الأمن الأوروبي.
وترى المجلة أن هذا النهج أربك العواصم الأوروبية، التي باتت منقسمة بين من يراهن على احتواء واشنطن، ومن يدعو إلى بناء استقلالية استراتيجية حقيقية.

بوتين… استثمار الانقسام الأوروبي

في المقابل، تعتبر دير شبيغل أن روسيا بقيادة بوتين تستثمر بذكاء في هشاشة الموقف الأوروبي، والتردد في بلورة سياسة دفاعية موحدة، وفي الخلافات الداخلية بين دول الاتحاد.
وتربط المجلة هذا السلوك الروسي باستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي ككتلة سياسية واقتصادية موحدة، لا سيما في ظل الحرب في أوكرانيا وتداعياتها.

الأصول الروسية المجمّدة… آخر أوراق القوة؟

ضمن المحور الثاني من ملف الغلاف، تتناول المجلة نقاشًا حساسًا داخل الاتحاد الأوروبي حول إمكانية استخدام نحو 140 مليار يورو من الأصول الروسية المجمّدة لدعم أوكرانيا.
وبحسب المجلة، فإن خبراء ماليين أوروبيين يقترحون تحويل هذه الأموال إلى قروض بلا فوائد أو أدوات تمويل استراتيجية، معتبرين أنها قد تكون أقوى رافعة متبقية بيد الأوروبيين في مواجهة موسكو، في ظل التردد الأمريكي.
غير أن هذا الخيار يطرح إشكالات قانونية وسياسية كبرى، ويكشف في الآن ذاته محدودية هامش المناورة الأوروبي.

سؤال القوة الذاتية الأوروبية

في خلاصتها، تطرح دير شبيغل سؤالًا مركزيًا حول، كيف يمكن لأوروبا أن تجد قوة ذاتية في عالم يتجه نحو منطق الصفقات والقوة الصلبة؟
وترى المجلة أن الاتحاد الأوروبي يقف أمام مفترق طرق، إما الاستمرار في الارتهان لتحالفات متآكلة، أو الشروع في بناء سياسة خارجية ودفاعية مستقلة، قادرة على حماية المصالح الأوروبية في عالم مضطرب.

وإذا ذهبنا أبعد مما يحتويه الغلاف أو نبرة المجلة الحادة، فان هذا العدد يعكس قلقًا أوروبيًا متزايدًا من تراجع المكانة الجيوسياسية للقارة العجوز، في ظل صعود قوى كبرى لا ترى في أوروبا سوى ورقة تفاوض أو ساحة نفوذ.

وإن كان الغلاف قد اختار لغة صادمة، فإن الرسالة الأساسية واضحة:
أوروبا مطالَبة بإعادة تعريف ذاتها، قبل أن تُعاد صياغتها من الخارج.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من سياسات دولية

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق