شحنات مرفوضة وبقايا مبيدات… هل المغاربة محميون ؟
تتوالى خلال الأشهر الأخيرة إشعارات أوروبية برفض شحنات من الخضر والفواكه المغربية بسبب بقايا مبيدات تتجاوز الحدود المسموح بها، وفق نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف بالاتحاد الأوروبي (RASFF)، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشا متجددا داخل المغرب حول سلامة المنتجات الغذائية، ليس فقط الموجهة للتصدير، بل أساسا تلك التي تُعرض في السوق المحلية.
وتُظهر المعطيات المتوفرة تسجيل حالات متكررة خلال سنة 2026، همّت منتجات من قبيل الفلفل والجزر، احتوت على نسب مرتفعة من مواد كيميائية محظورة أو غير مطابقة للمعايير. ورغم أن هذه الحالات لا تعني تعميم الخطر، فإنها تكشف، بحسب متتبعين، عن وجود اختلالات بنيوية في منظومة المراقبة والاستعمال.
غير أن النقاش لم يعد مرتبطا فقط بصورة الصادرات المغربية، بل انتقل إلى مستوى أكثر حساسية، يتعلق بما يعتبره مهنيون ومراقبون “ازدواجية في المعايير” بين المنتجات الموجهة للخارج وتلك الموجهة للاستهلاك الداخلي.
ففي الوقت الذي تخضع فيه الصادرات الفلاحية لمراقبة دقيقة وصارمة من طرف الأسواق الأوروبية، التي تعتمد أنظمة تتبع ومختبرات متقدمة وآليات رفض فورية، يطرح السؤال حول مدى فعالية المراقبة داخل السوق الوطنية، خاصة في ظل معطيات تتحدث عن محدودية التتبع في بعض سلاسل التوزيع، وضعف المراقبة الميدانية مقارنة بحجم السوق، إلى جانب وجود قنوات غير منظمة لتسويق بعض المنتجات.
ويزداد هذا الإشكال تعقيدا بالنظر إلى أن السوق الداخلية تستوعب حجما أكبر من المنتجات مقارنة بالصادرات، ما يجعل أي خلل محتمل في منظومة السلامة الغذائية ذا تأثير مباشر على صحة المواطنين، أكثر من تأثيره على سمعة المنتوج في الخارج.
وفي قلب هذا الوضع، تبرز مسؤولية منظومة متكاملة، لا تقتصر على الفلاح وحده، بل تشمل أيضا سوق المبيدات والأسمدة، التي قد تعرف تسرب منتجات مغشوشة أو غير مرخصة، إضافة إلى ضعف الإرشاد الزراعي في بعض المناطق، وضغط الإنتاج الذي يدفع أحيانا إلى تجاوز الجرعات أو عدم احترام فترات الأمان، فضلا عن تفاوت مستوى الالتزام بين الضيعات الكبرى المنظمة والوحدات الصغيرة الأقل مراقبة.
ورغم توفر المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) على آليات للمراقبة والحجز والإتلاف، فإن متتبعين يرون أن هذه التدخلات غالبا ما تكون لاحقة لوقوع المخالفة، ولا تشتغل دائما بمنطق استباقي يمنع تسرب المنتجات غير المطابقة إلى السوق أو إلى التصدير.
ويطرح هذا الواقع سؤالا محوريا حول طبيعة المنظومة الحالية: هل هي منظومة وقائية قادرة على ضبط الاختلالات من المصدر، أم أنها تظل تفاعلية تتدخل بعد ظهور المخاطر؟
ويربط خبراء استمرار هذه الحالات بجملة من العوامل، من بينها سوء استعمال المبيدات، وانتشار بعض أشكال الغش التجاري أو التهريب، وضعف التتبع الرقمي للمنتجات، إضافة إلى ضغط المنافسة والإنتاج السريع، وتفاوت مستويات المراقبة بين مختلف الفاعلين.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد المستهلك المغربي نفسه في قلب معادلة دقيقة، بين منتجات تُرفض في الخارج بسبب معايير صارمة، ونقاش داخلي متواصل حول مدى فعالية آليات الحماية وضبط السوق.
ويرى مهنيون أن تجاوز هذه الإشكالات يمر عبر إصلاحات عملية، من بينها إرساء نظام تتبع رقمي لاستعمال المبيدات، وتشديد المراقبة على سوق هذه المواد، وتوسيع نطاق التحاليل المخبرية لتشمل السوق الداخلية بنفس صرامة التصدير، إلى جانب تعزيز الإرشاد الزراعي وفرض عقوبات رادعة على المخالفات.
وفي المحصلة، يكشف هذا الملف عن مفارقة واضحة: فالمغرب، وهو يسعى إلى الحفاظ على تنافسية صادراته الفلاحية، يجد نفسه في الآن ذاته أمام تحدي ضمان نفس مستوى الحماية الصحية لمواطنيه، بما يجعل سلامة المستهلك المحلي في صلب أي إصلاح مرتقب.
التعاليق