إفادة
إفادة
الإثنين 29 يونيو - 07:09

سوق الكهرباء المتجددة بالمغرب يفتح الباب أمام المنتجين المباشرين

دخل إصلاح سوق الكهرباء المتجددة بالمغرب مرحلة تنظيمية جديدة، بعد طرح وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة مشروع مرسوم لتطبيق مقتضيات القانون 13.09، كما تم تعديله بالقانون 40.19، في خطوة لا تقتصر على تنظيم ربط منشآت الطاقات المتجددة بالشبكات، بل تضع عملياً قواعد اشتغال سوق جديدة للكهرباء الخضراء.

ويهدف النص، المعروض للاستشارة العمومية، إلى سد الفراغ التنظيمي الذي ظل قائماً منذ فتح المجال أمام المنتجين الخواص لاستعمال شبكات التوزيع، إذ كان القانون قد أقر المبدأ، لكنه لم يحدد بما يكفي كيفيات الربط، والبيع، والشراء، وتتبع الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة.

وتكمن أهمية المشروع في أنه يحول الإصلاح من مستوى الإعلان القانوني إلى مستوى القواعد العملية. فالمنتجون الخواص، والمستهلكون الصناعيون، ومدبرو شبكات التوزيع، سيجدون أمامهم لأول مرة مساطر واضحة تحدد من يحق له الإنتاج، وكيف يتم الربط بالشبكة، ومن يتحمل كلفة الربط، وفي أي آجال تتم دراسة الملفات.

وينص المشروع على أن كل منشأة موجهة لحقن الكهرباء المتجددة في شبكة التوتر المتوسط يجب أن تخضع مسبقاً لدراسة تقنية، ينجزها مسير الشبكة أو هيئة مختصة يعهد إليها بذلك. ولا تقتصر هذه الدراسة على التحقق من إمكانية الربط، بل تشمل قدرة الشبكة على استقبال المشروع، والمشاريع المبرمجة في المنطقة نفسها، والقيود التقنية المحتملة، والحل الأنسب للربط، مع تقدير أولي للكلفة.

كما يقر النص قاعدة “الأسبق في الطلب، الأسبق في المعالجة”، بهدف ضمان الشفافية في دراسة طلبات الربط، خاصة في المناطق التي قد تصبح فيها قدرة الشبكات على استقبال مشاريع جديدة محدودة. وفي حال تعذر الربط تقنياً، لن يكتفي مسير الشبكة بالرفض، بل سيكون مطالباً باقتراح حل بديل مبرر.

ولمعالجة أحد أبرز انتقادات المستثمرين، يضع المشروع آجالاً محددة للمساطر. فمسير الشبكة سيكون مطالباً بإبلاغ صاحب الطلب بكلفة الدراسة التقنية داخل أجل 30 يوماً، على أن يؤديها المعني بالأمر داخل 21 يوماً، فيما يجب إنجاز الدراسة داخل أجل ثلاثة أشهر، وتظل الصيغة التقنية والمالية للربط صالحة لمدة 60 يوماً.

كما يعتمد المشروع آلية “الصمت بمثابة موافقة” بالنسبة لبعض الآراء التقنية، بما يعني أن عدم جواب بعض المؤسسات داخل الآجال المحددة سيعتبر رأياً إيجابياً، وهو ما من شأنه تقليص مخاطر تعطيل المشاريع بسبب بطء المساطر الإدارية.

غير أن النص يؤكد، في المقابل، أن كلفة الربط ستظل على عاتق المنتج، بما في ذلك كلفة تقوية الشبكة إذا كانت ضرورية لاستقبال المنشأة الجديدة. وهذا المقتضى قد يوفر وضوحاً للمستثمرين، لكنه قد يثقل كلفة بعض المشاريع، خاصة الصغرى أو الموجودة في مناطق تتطلب تقوية كبيرة للبنية التحتية الكهربائية.

والتحول الأهم في المشروع يتمثل في تنظيم تسويق الكهرباء المتجددة. إذ يسمح لمنتج مرتبط بشبكة التوزيع ببيع الكهرباء لمستهلكين مرتبطين إما بالشبكة الوطنية للنقل أو بشبكات التوتر المتوسط التابعة لمسيري التوزيع، ما يفتح الباب أمام عقود مباشرة بين المنتجين والمستهلكين، خصوصاً الصناعيين.

وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة للمقاولات الصناعية والتصديرية، التي باتت مطالبة بتقليص بصمتها الكربونية، خصوصاً في ظل تشدد الأسواق الدولية وسلاسل القيمة العالمية في ما يتعلق بالطاقة النظيفة والمنتجات منخفضة الكربون.

كما يمنح المشروع مسيري شبكات التوزيع إمكانية شراء كهرباء منتجة من مصادر متجددة لتغطية حاجياتهم الخاصة أو تزويد المستهلكين داخل نطاقهم، لكن ضمن سقف لا يتجاوز 10 في المائة من حجم الطاقة السنوية الموزعة من طرف كل مسير.

ويضع النص سقفاً آخر، يتمثل في ألا تتجاوز الكمية الإجمالية للكهرباء المتجددة المقتناة 40 في المائة من الطاقة السنوية الموزعة على الشبكة المعنية. وتبرر هذه الحدود بمنطق الانفتاح التدريجي للسوق وحماية التوازنات التقنية للشبكات، التي لم تصمم في الأصل لاستقبال كميات كبيرة من الإنتاج اللامركزي.

غير أن هذه السقوف قد تشكل أحد أبرز نقاط النقاش خلال الاستشارة العمومية، إذ قد يعتبرها بعض المستثمرين والفاعلين الصناعيين محدودة ولا تواكب سرعة التحول الطاقي، بينما ستدافع عنها أطراف أخرى باعتبارها ضرورية لتفادي اضطراب الشبكات.

ويعزز المشروع كذلك منظومة التتبع والشفافية، إذ يلزم المنتجين بنقل معطيات دورية إلى مسيري الشبكات حول كميات الكهرباء المحقونة والموردة، وعمليات العد، والبيانات الضرورية لتتبع المبادلات. كما يحافظ على دور شهادات المنشأ، التي ستصبح أداة أساسية لإثبات مصدر الكهرباء المتجددة وتتبعها.

ومن خلال هذه المقتضيات، لا ينظم المشروع فقط تدفق الكهرباء داخل الشبكات، بل يضع البنية المعلوماتية والتعاقدية اللازمة لسوق كهرباء متجددة أكثر شفافية وقابلية للتتبع.

كما ينسخ المشروع المرسوم السابق رقم 2.15.772 المتعلق بربط منشآت الإنتاج بشبكات التوتر المتوسط، بعدما أصبح غير ملائم للتعديلات التي أدخلها القانون 40.19، على أن تحدد بعض التفاصيل، خاصة المتعلقة بالربط بشبكات التوتر المنخفض، بقرار مشترك بين وزارتي الانتقال الطاقي والداخلية.

ويأتي هذا النص في لحظة تعرف فيها المملكة تسريعاً لانتقالها الطاقي، وتزايداً في حاجة الصناعات المصدرة إلى كهرباء منخفضة الكربون، بالتزامن مع إصلاح شركات التوزيع عبر الشركات الجهوية متعددة الخدمات، ما يجعل وضوح قواعد الربط والبيع والشراء شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار.

وبذلك، لا يتعلق الأمر بمرسوم تقني فقط، بل بنص يؤسس لمرحلة جديدة في سوق الكهرباء المتجددة بالمغرب. فهو يحدد القواعد التي كانت تنقص الإصلاح: كيف يتم الولوج إلى الشبكة، من يدفع الكلفة، كيف تباع الكهرباء، ما حدود تدخل مسيري الشبكات، وما الضمانات التقنية والتنظيمية المطلوبة.

ويبقى الرهان الحقيقي بعد الاستشارة العمومية هو قدرة هذه القواعد على تحقيق توازن صعب بين تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وحماية استقرار الشبكات، وخفض كلفة الطاقة على الصناعيين، وتحويل الكهرباء النظيفة إلى أداة تنافسية للاقتصاد المغربي.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق