زيارة مرتقبة لفيليبي السادس تضع سبتة مجددا في قلب الحساسية السياسية بين الرباط ومدريد
دخلت تداعيات أزمة العبور الجماعي نحو سبتة منعطفا سياسيا جديدا في إسبانيا، بعدما أعلن رئيس الحكومة المحلية للمدينة، خوان خيسوس فيفاس، أن الملك فيليبي السادس ملتزم بزيارة سبتة، وإن كان موعد الزيارة لم يُحدد بعد، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز بعدها البروتوكولي بالنظر إلى الوضع الاستثنائي الذي تعيشه المدينة والحساسية التاريخية للملف في العلاقات المغربية الإسبانية.
ونقلت صحيفة «إلباييس» الإسبانية، الخميس 6 غشت، عن فيفاس تأكيده، عقب لقائه الملك، أن فيليبي السادس ملتزم بزيارة المدينة. ويكتسب الإعلان أهمية خاصة لأن العاهل الإسباني لم يزر سبتة أو مليلية منذ اعتلائه العرش سنة 2014، وتبقيان المنطقتين الوحيدتين من مناطق الحكم الذاتي الإسبانية اللتين لم يزرهما بصفته ملكا. كما تشير وسائل إعلام إسبانية إلى أن مثل هذه الزيارات تتطلب تنسيقا وموافقة من الحكومة المركزية.
وفي موازاة ذلك، طالب الحزب الشعبي بمثول وزراء الداخلية والدفاع والخارجية والعدل أمام البرلمان لتقديم توضيحات بشأن تدبير الأزمة.
زيارة تتجاوز بعدها الرمزي
من الناحية السياسية، ستكون زيارة فيليبي السادس، إذا تقررت رسميا، ذات وزن أكبر من زيارة ملكية اعتيادية. فبعد أزمة بحجم العبور الجماعي الأخير، يمكن أن تُقرأ داخل إسبانيا باعتبارها رسالة دعم مؤسساتي لسكان سبتة وتأكيداً على حضور الدولة المركزية في المدينة.
ويكتسب حضور الملك حساسية إضافية لأن فيليبي السادس هو رأس الدولة الإسبانية، وبالتالي فإن انتقاله إلى سبتة يحمل رمزية سيادية لا تتوافر بالدرجة نفسها في زيارة وزير أو مسؤول حكومي.
وتأتي قضية الزيارة كذلك في وقت أعادت فيه الأزمة طرح هشاشة الوضع الخاص لسبتة، التي تعتمد بصورة كبيرة على علاقتها بمحيطها المغربي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الحدودي أو في ما يتعلق بحركة الأشخاص.
وتشير تقارير غربية حديثة إلى أن المدينة واجهت خلال السنوات الماضية تحولات اقتصادية مرتبطة بتراجع نموذج التجارة الحدودية التقليدي وتشديد المغرب إجراءاته على المعابر، وهو ما دفع السلطات المحلية إلى البحث عن نموذج اقتصادي أقل ارتباطا بالحدود المغربية.
وبذلك، فإن أزمة الهجرة الأخيرة لا تطرح على مدريد سؤال السيطرة الأمنية على الحدود فقط، وإنما تعيد فتح نقاش أوسع بشأن مستقبل سبتة اقتصاديا وديمغرافيا واستراتيجيا، ومدى قدرة الحكومة الإسبانية على تقليل هشاشة المدينة أمام الأزمات التي تنشأ في محيطها.
المغرب.. موقف تاريخي لم يُحسم
في المقابل، تظل مسألة السيادة إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقات بين الرباط ومدريد. وتعتبر إسبانيا سبتة ومليلية جزءا من أراضيها الوطنية، بينما تمسك المغرب تاريخيا بمطالبته بالمدينتين والجزر المجاورة.
وقد ظهر هذا الخلاف بصورة مباشرة سنة 2007 عندما قرر الملك خوان كارلوس والملكة صوفيا زيارة سبتة ومليلية، في أول زيارة ملكية من نوعها منذ عقود.
وتوثق صحيفة «إلباييس» أن الحكومة المغربية أعلنت آنذاك «رفضها واستنكارها التام» للزيارة، ووصفت سبتة ومليلية بأنهما مدينتان مغربيتان، كما استدعت الرباط سفيرها لدى مدريد للتشاور.
وشهد شمال المغرب آنذاك احتجاجات رافضة للزيارة؛ إذ خرجت مظاهرات في تطوان للمطالبة بـ«مغربية» سبتة ومليلية، كما شهد محيط الحدود احتجاجات بالتزامن مع وصول الملك الإسباني.
وهذه السابقة تجعل المقارنة مع الوضع الحالي ذات أهمية. فالزيارة المحتملة لفيليبي السادس ستكون الأولى لملك إسبانيا إلى سبتة منذ زيارة والده سنة 2007، وبالتالي ستعيد اختبار كيفية تعامل الرباط مع خطوة ذات رمزية سيادية إسبانية واضحة.
هل تؤثر الزيارة في العلاقات المغربية الإسبانية؟
لا يمكن، قبل تحديد موعد الزيارة وموافقة الحكومة الإسبانية عليها، الجزم برد الفعل المغربي. كما أن العلاقات بين البلدين اليوم تختلف عن السياق الذي أحاط بزيارة 2007؛ فقد توسع التعاون الأمني والاقتصادي والهجري بين مدريد والرباط بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.
لكن دلالة الزيارة ستبقى قائمة. فبالنسبة إلى مدريد، يمكن أن تؤدي وظيفة مزدوجة: طمأنة سكان سبتة بعد الأزمة، وإظهار أن المدينة تحظى بالدعم الكامل من أعلى مؤسسة في الدولة.
أما بالنسبة إلى الرباط، فإن الملف يرتبط بموقف تاريخي من وضع سبتة ومليلية. ولذلك فإن أي خطوة إسبانية ذات حمولة سيادية قوية في المدينتين كانت تاريخيا موضع متابعة واعتراض مغربي، وكانت زيارة خوان كارلوس سنة 2007 أوضح مثال على ذلك.
وتكمن المفارقة في أن أزمة بدأت كحدث حدودي وإنساني أعادت سبتة تدريجيا إلى موقعها كقضية جيوسياسية بين ضفتي المضيق. وإذا تحولت تصريحات فيفاس إلى زيارة فعلية لفيليبي السادس، فلن تكون المسألة مرتبطة فقط بتداعيات الهجرة، بل ستصبح اختبارا جديدا لقدرة الرباط ومدريد على إدارة أحد أكثر الملفات التاريخية حساسية بينهما من دون أن يمتد أثره إلى مستوى التعاون الاستراتيجي الذي بنياه خلال السنوات الأخيرة.
التعاليق