رضوان الرمضاني.. وجبروت وهبي
في تدوينتك الأخيرة عن ما عرف بفضيحة فيلا وزير العدل عبد اللطيف وهبي، لم تفاجئني يا رضوان الرمضاني كثيرا. فقد بقيت وفيا لنفسك، تكتب بنَفَسٍ مهني، تتقن الصياغة، وتتحكم في الإيقاع، لكنك – كما هي عادتك – لا تخفي ميلك الغريزي لتلطيف الزوايا، وتبخيس القضايا الكبرى عندما تقترب من أصحاب النفوذ.
بدأت تدوينتك كأنها تمرين في “التحليل البارد”، مع جرعة زائدة من “نظرية المؤامرة”، دون أن تسميها. ماكينة، جمهور، فرجة، أجندة… كلها مفردات استُحضرت لتقود القارئ إلى فكرة واحدة: “احذر، قد تكون تخدم أعداءً دون أن تدري!”
لكن مهلاً يا رضوان…
القضية ليست “فرجة فايسبوكية”، ولا “ديكة تتصارع”، ولا “نُخب متماهية مع الانحراف”.
القضية ببساطة: وزير عدل سابق، حصل على قرض بمليار و100 مليون سنتيم، وسجّل العقار في اسم زوجته بهبة معلنة قيمتها مليون سنتيم.
أي مواطن بسيط في المغرب يفهم أن هذا تحايل على الضريبة.
ويفهم أيضًا أن الهبة لم تكن تصرّفًا عائليًا بريئًا، بل مدخلًا قانونيًا لإخفاء القيمة الحقيقية للعقار، وبالتالي هناك قطعا إن وأخواتها.
فلماذا كل هذا الالتفاف اللغوي؟
لماذا لا تضع يدك، ولو لمرة، على الجرح مباشرة؟
أنت، أستاذ يا رضوان الرمضاني، تحذّر من الانجرار وراء الحماس.
لكنك لا ترى أن التروّي المفرط قد يتحول إلى تواطؤ ناعم مع الفساد حين يصبح الحذر بديلاً عن الصراحة؟
هل المطلوب من الصحافة أن تُذكّرنا دائمًا بأن هناك “خلفيات سياسية” وراء كل قضية، فقط لأن الشخص المعني ليس خصمًا لك؟
ما رأيناه في قضية وهبي، ليس مجرد تسريب، بل نموذج متكرر لما أسميته أنت سابقًا بـ”المال المغسول بالشرعية”.
أين الرأي العام من هذا؟ أين النقاش البرلماني؟ أين الضمير الأخلاقي؟
بل أين الصحافة التي تعطي ظهرها للفساد وتغرق في “تفكيك سياقات الحملة”، بدل طرح الأسئلة التي تهم المواطن:
هل دفع الوزير الضرائب أم لا؟ هل تهرّب أم لا؟ هل استغل موقعه ونفوذه أم لا؟ ماذا وراء هذا الالتفاف الذي مارسه وزير العدل؟
لا أحد يختلف أن حميد المهداوي يعيش داخل “عرض دائم على يوتيوب”، وأن جزءًا من خطابه مبني على دغدغة المشاعر أكثر من التحقيق.
لكن في المقابل، لا يمكن أن يتحول التحليل الهادئ إلى نوع من التواطؤ الهادئ.
في الصحافة، كما في السياسة، الصمت قد يكون أبلغ من الكلام أحيانًا.
لكن عندما تكتب، يجب أن تختار:
هل تكتب لتسائل السلطة؟ أم تكتب لتخوّف الناس من مساءلتها؟
الفساد في المغرب لا يحتاج إلى حناجر تصرخ، بل إلى أقلام لا ترتعش.
السلطة لا تحتاج من يشرح أسباب “العاصفة”، بل من يقف في وجهها عندما تعصف بالقانون.
والصحفي الذي يرى في كل فضيحة “أجندة” يخدمها الجمهور دون وعي، سينسى يومًا أن مهمة الصحافة ليست فقط التحليل… بل أيضًا الوضوح، والموقف، والجرأة.
فمن يبرر الفساد، حتى عن غير قصد، يشارك في صناعته.
التعاليق