ربيعة عبد الكامل: أخي رضوان.. آخر العنقود
هذا أخي رضوان، آخر العنقود، صديق طفولتي وسامع قصصي الأول، وفرسي الصغير الذي كنت أسرجه بحزام أمي ثم أربطه إلى رجل السرير أقدم له العشب و الماء،وحين يشبع ويرتوي، أسرحه ليقفز عاليا فوق فراش والدي الذي كانت تبسطه أمي أرضا.
ينط فرسي الصغير ويحنحن و يركل ويتمرغ فوق الفراش،أمسح عرقه… وحين نتعب نتكوم كفرخين بين أبي وأمي وننام…
وفي الصباح نتشاجر لأن قطعة خبزه أكبر من قطعتي، أو لأن كأس شايي أكثر امتلاء من كأسه.
تنهرنا أمي فلانتوقف… تتشابك أيدينا… فتحضر في يديها صندالة بلاستيك، تضرب كلينا فننكمش بإحدى زوايا الغرقة، أنا كنت أبكي وأصرخ بينما هو صامت ينظر إلي، يقترب مني ويمسح دموعي ثم نقفز كفأرين إلى السطح، نغلق بالوعة المجرى بإحكام و نفتح الصنبور حتى يرتفع منسوب الماء قليلا… نفتح كيس الملح الذي سرقناه من أمي ونذيبه في البحر الصغير الذي صنعناه، ثم نغطس كبطتين في الماء.
أنا كنت البطة الكبيرة/ أمه وهو كان بطي الصغير، أتقدمه ويتبعني… وحين تعلق رجله بإحدى خيوط الصوف، التى كانت تعلقها أمي فوق سلك الغسيل لتصنع جلبابا لأبي، أعود لأفك الخيوط المتشابكة ثم أرميها فوق سطح الجيران كي لا تنكتشف فعلتنا.
كان الأحد يوم عيدنا لأن أبي سيفي بوعده ويصطحبنا إلى المطار لنشاهدالطائرات العملاقة وهي تسافر بعيدا…
كان هديرها يزرع في نفوسنا الصغيرة نوعا من الفرحة الممزوجة بالرهبة و الاندهاش لهذا الطائر الأبيض العملاق الذي يحلق في السماء ثم يختفي بين الغيوم…
سأل رضوان ابي:
-إلى أين تذهب هذه الطائرات؟
رد:
-إلى بلاد بعيدة حيث الثلج والنساء الجميلات.
ومنذ ذلك الحين وأخي رضوان يحلم بالبلاد البعيدة و الثلج و النساء الجميلات وحلمت أنا أن أصبح ربان طائرة…
…..
ثم كبرنا..
لم أصبح ربان طائرة ولم يذهب أخي رضوان إلى البلاد البعيدة، لكنه ظل هنا في مكان من القلب بطي الصغير وفرسي الذي أحب، سامع قصصي الأول وصديق طفولتي الذي سأحب.
التعاليق