عزالدين بوركة
عزالدين بوركة
الجمعة 10 أكتوبر 2025 - 02:44

رأس الخبث…

إنّ ما تروّجه توكل كرمان من خطابات مموّهة ومشحونة بالتحريض العاطفي لا ينتمي إلى أيّ فهم موضوعي أو معرفي للوضع المغربي، لا سياسيّا ولا اجتماعيا ولا ثقافيا… فمواقفها، التي تتغذّى على منطق الإثارة الشعبوية أكثر مما تستند إلى تحليل واقعي أو فهم للتوازنات التاريخية والسياسية في المنطقة، تعبّر عن عقلية مأزومة ما زالت حبيسة مفهوم “الثورة من أجل الثورة” دون رؤية ولا مشروع. إنها بذلك تكرّر خطابات ما بعد “الربيع العربي” التي فشلت في إدراك أن التحولات السياسية والاجتماعية لا تُقاس بمعيار الشعارات، وإنما بمدى نضج المجتمع واستقراره وقدرته على بناء نموذج خاص للإصلاح في ظل الاستمرارية.

فالمغرب، بخلاف كثير من البلدان التي انهارت مؤسساتها مع أول هزّة، مع ريح الربيع العربي، استطاع أن يُجري تحولات عميقة في بنيته السياسية والاجتماعية ضمن إطار الملكية الدستورية، وإن كنة نطالب بالمزيد والمزيد من الإصلاحات والمطالب المشروعة، وهو ما يُعدّ خصوصيته الكبرى ( حتى لا أقول الاستثناء الذي لا أؤمن به مثلما يروج أستاذ جامعي فاشل). فالمغاربة، على اختلاف مشاربهم الإيديولوجية —من اليسار إلى الإسلاميين، ومن الليبراليين إلى القوميين— يدركون أن الملكية ليست عقبة في وجه التطور، وإنما هي الإطار الضامن لاستمرارية الدولة وتوازن قواها، بحكم التاريخ والثقافة والخصوصية الاجتماعية والعقائدية والسياسية، وأن النقاش الحقيقي لا يدور حول “إسقاط النظام” وإنما حول “تطويره” ليواكب طموحات الأجيال الجديدة ويستجيب للتحولات القيمية والاقتصادية للمجتمع، بما يضمن الحرية والعدالة الاجتماعية.

أما ما تحاول توكل كرمان تسويقه من خارج الحدود، فهو في حقيقته استنساخ مملّ ومبتور لتجارب انتهت بالفوضى أو الارتداد على الذات. إنّها تنتمي إلى نمط من “الناشطين” الذين يختزلون المجتمعات في معادلات تبسيطية: “شعب ضد نظام”، دون أن يعوا أن المغرب قد تجاوز هذا المنطق منذ عقود، لأنه بنى ثقافة سياسية تقوم على الإصلاح في ظل الاستقرار، وعلى التعددية بدل الصدام، وعلى التفاوض بدل القطيعة… وإن بشكل نسبي ما زال الشعب يطالب بتحسينه وتجويده أكثر.

لقد عرفت أجيال الحراك السياسي المغربي—من جيل المقاومة إلى جيل سنوات الجمر والرصاص، وصولاً إلى جيل 20 فبراير وجيل Z—تحولات في الخطاب والمطالب، لكنها حافظت على قاسم مشترك هو إيمانها العميق بضرورة استمرار المؤسسة الملكية باعتبارها مركز الثقل الرمزي والسياسي للبلاد: ملكية دستورية. مع فصل السلط ومحاسبة الفاسدين. وأما الخلافات كانت، وما تزال، حول شكل التوزيع الأمثل للسلطة والثروة، وحول ضمان العدالة الاجتماعية، وليس حول شرعية النظام نفسه. وهذا ما لا تستطيع أمثال كرمان فهمه، لأنها تنظر إلى السياسة من ثقب الأيديولوجيا لا من أفق المعرفة أو التجربة التاريخية.

إنّ ما تُقدّمه هذه السيدة من تحليلات أو دعوات هو في أحسن الأحوال سطحية، وفي أسوأها تنطوي على نية سيئة تستهدف إثارة الفوضى عبر اللعب على أوتار العواطف الدينية أو الشبابية أو الحقوقية. لكنّ الشباب المغربي، بما يمتلكه اليوم من وعي سياسي وتربوي وثقافي متراكم، أذكى من أن يُستدرج إلى مثل هذه الخطابات. لقد عاش مراحل من النقد الذاتي، واكتشف أن الإصلاح لا يتحقق عبر الصراخ أو التجييش، بل عبر العمل المدني، والنضال المؤسساتي، وتوسيع مجالات التعبير الحر، مع الحفاظ على وحدة الكيان الوطني وترابه.

ثم إنّ جائزة نوبل التي منحتها لجنة سياسية أكثر منها أكاديمية لتوكل كرمان لا تضيف شيئاً إلى قيمتها الفكرية أو الأخلاقية. فالجوائز لا تصنع الضمير، ولا تُسبغ على صاحبها شرعية أخلاقية مطلقة. كم من مثقف حقيقي لم يحصل على جائزة، ومع ذلك غيّر مجرى الفكر والسياسة، وكم من حائزٍ على جائزة لم يترك سوى الضجيج والفراغ. إنّ أخطر ما في خطاب كرمان ليس فقط التحريض، وإنما محاولتها تصدير نموذج فاشل لتغيير الأنظمة تحت غطاء الحقوق والديمقراطية، في حين أن الديمقراطية الحقيقية هي التي تبنى في الداخل عبر المؤسسات، لا عبر التغريدات .

من هنا، يتجلّى عمق النضج السياسي المغربي، في قدرته على استيعاب التناقضات داخل مشروع وطني جامع، بدل الانزلاق إلى منطق الثنائيات القاتلة (نظام/شعب، ملكية/حرية). فالمغاربة اليوم يطالبون بتوسيع الحريات، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، لكنهم في الوقت نفسه يدركون أن الدولة لا يمكن أن تستمر إلا بوجود مؤسسة ملكية قوية، حديثة، ومتفاعلة مع مطالبهم. وهذا الوعي الجمعي هو الذي يحمي البلاد من الانزلاق إلى المجهول، وهو ما يُفشل في العمق كل دعوات التحريض الخارجي مهما بدت براقّة أو مغلّفة بالشعارات الإنسانية.

باختصار، يمكن القول إنّ ما تجهله توكل كرمان هو أن المغرب لم يعد يعيش صراع الشرعية، بل يعيش مرحلة النقاش حول الكفاءة والفعالية والعدالة. إنّها مرحلة نضج سياسي واجتماعي لا يمكن فهمها بعقلية “الخبث”

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق