رشيد السمكي
رشيد السمكي
الأحد 20 يوليو 2025 - 04:36

ذاكرة آيت بوكماز

في تصريحٍ أمام البرلمان، حاول رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تطويق الغضب القادم من جبال آيت بوكماز بإضفاء طابع سياسي مفتعل عليه، وكأن ساكنة المنطقة خرجت لأهداف حزبية أو لمناورات انتخابية مبكرة. هذه القراءة الرسمية لم تكن جديدة، فقد سبقتها منابر إعلامية محسوبة على المحيط السياسي ذاته، بادرت إلى نزع الطابع الاجتماعي عن المطالب، ووضعت المحتجين في خانة “التحريض السياسي”.

لكن من يعرف الأطلس حق المعرفة، ومن قرأ الذاكرة الصلبة لتلك الجبال، يدرك أن الاحتجاج في آيت بوكماز ليس وليد ظرف عابر أو تحريض مغرض، بل هو امتداد طبيعي لمنطق تاريخي ومجتمعي عميق، تُحرّكه مبادئ الكرامة الجماعية أكثر من أي أجندة.

إن علم الاجتماع السياسي حين يقارب الحركات الاحتجاجية، لا يكتفي بتفسيرها كرد فعل آنٍ على التهميش أو اللامساواة، بل ينظر إلى العمق البنيوي للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وإلى الرموز والذاكرة الجماعية التي تشكل وعي الناس بموقعهم من السلطة. وفي هذا الصدد، لا بد من استحضار إحدى أبرز المفارقات المغربية: أن الشعب، وخصوصًا القبائل الجبلية، كثيرًا ما يحتجون على ممثلي السلطة، لكنهم يحرصون في الوقت ذاته على إظهار التقدير والاحترام لمقام الملك، أو “السلطان الشريف” بلغة التاريخ.

وإذا اردنا استنطاق التاريخ فالذاكرة تعود بنا إلى القرن 19، حين استطاعت قبائل الأطلس أن تهزم السلطان المولى سليمان وتأسره، ليس لأنها تكره السلطان، بل لأنها رأت أن مظالم السلطة المركزية طغت. لكن ما فعله أبناء الجبل آنذاك يفسر كل شيء: فقد أطلقوا سراحه وأوصلوه في موكب موقر إلى قصره، في تجل استثنائي لفهم شعبي مغربي عميق، يُميز بين شخص الملك وأعوانه، بين المؤسسة الشرعية وممارسات الأجهزة المحيطة بها.

إن هذه الذاكرة المقاومة لا تحمل نزعة فوضوية أو عداء للدولة، بل تعكس نموذجًا مغربيًا في “الاحتجاج المسؤول” إن صح التعبير، حيث لا يتم المسّ بشرعية الدولة، بل تتم مساءلة أذرعها التنفيذية، وممثليها الجهويين والمحليين، حين يفشلون في تأدية أدوارهم.

ورجوعا من التاريخ إلى ما يجري في آيت بوكماز اليوم، برغم ندرته، لا يخرج عن هذا السياق. فقد خرجت الساكنة في مظاهرات تطالب بحقوق اجتماعية واقتصادية بسيطة: بنى تحتية، مدارس، خدمات صحية، ومياه صالحة للشرب. لم ترفع شعارات ضد الدولة أو الملك، بل ضد التهميش والصمت والتجاهل الإداري. ومن الخطأ القاتل أن يُقرأ هذا التحرّك بمنظار “الاختراق السياسي”، بينما هو في جوهره صرخة مجتمعية لإعادة الاعتبار لجغرافيا نُسيت من زمن طويل.

الفارق بين اليوم وامس، هو انه في الأمس عاشت تلك الجبال العزلة بكل تجلياتها، مما حصن السلطة من “الإحراج”، أما اليوم، فأصبح الهاتف الذكي والكاميرا المباشرة أكثر فاعلية من آلاف المقالات. لقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة رقابة مجتمعية فورية، تفضح الخلل، وتنقل المعاناة، وتربك تبريرات السلطة المركزية. لذلك فإن الاحتجاج في آيت بوكماز ليس فقط حركة فيزيائية على الأرض، بل تعبير رقمي معولم عن تحوّل في ميزان القوة الرمزي بين الدولة والمواطن.

فسكان بوكماز لا يحتاجون إلى تبريرات سياسوية، كما فعل رئيس الحكومة وغيره من طائفته، بل يحتاجون إلى إنصات، إلى مشاريع حقيقية، إلى مسؤولين يعترفون أولًا بالفشل بدل رمي الكرة في ملعب “المؤامرة”. لا أحد ينكر أن المغرب يمر بظروف صعبة، ولكن معالجة الصعوبات لا تكون بتشويه حركات المجتمع، بل بتقوية الجسور بين الدولة والمواطن، والعودة إلى مبدأ الخدمة العمومية كجوهر للشرعية.

ففي بلد مثل المملكة المغربية الشريفة بعمقها التاريخي تتجلى قوة الحكم في فهم علاقة السلطة بالمجتمع، ومن لا يفهم هذه المفارقة، لا يفهم المغرب.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من افتتاحية

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق