رشيد السمكي
رشيد السمكي
الثلاثاء 23 سبتمبر 2025 - 05:01

“دولاب” وزير الصحة

لا أحد يعترض على أن الوزير حين يزور المستشفى في وقت غير معلن، ويرصد خروقات ويوقف مسؤولين ويعزل أطباء وممرضين ويحلّ شركات نظافة متقاعسة، يقوم بعمل يدخل في صميم صلاحياته. لكن السؤال الحقيقي: لماذا لم يُرصد هذا كله قبل أن ينزل المواطن إلى الشارع محتجًا؟

حين لا يتحرك الوزير إلا بعد أن ترتفع الأصوات، فهذا يعني أن الرقابة غائبة، أو أنها شكلية، وأن آلية التتبع اليومي مفقودة. بعبارة أخرى اكثر وضوحا: لو لم تندلع احتجاجات أكادير، هل كان الوزير سيكتشف اكثر من 28 ملفًا تأديبيًا دفعة واحدة؟ أم أن هذه الملفات كانت موجودة وظلت مطمورة في الأدراج وفي متاهات الوزير حتى جاء الضغط الشعبي ليُخرجها إلى العلن؟

القرارات التأديبية نفسها تكشف تناقضًا صارخًا: الدولة تعاقب أطرا ومسؤولين صغارًا بالدرجة الأولى، لكنها لا تسائل المنظومة التي تركت الفوضى تتراكم. كأن الحكومة تقول: “نعم هناك فساد، نعم هناك تقاعس، لكننا لا نتحرك إلا إذا صرخ الناس”. وهذا في علم السياسة اعتراف ضمني بالعجز وفشل الإصلاح.

الخطورة في هذا المنطق أنه يحوّل الصحة، التي هي حق أساسي ورافعة للثقة بين المواطن والدولة، إلى ملف أمني بالدرجة الأولى: تنتظر الوزارة اندلاع النار ثم ترسل سيارات الإطفاء. وهكذا يتكرس نموذج الحكم بمنطق الأزمات لا بمنطق السياسات العامة.

الصحة لا تُدار بزيارات مفاجئة ولا بقرارات انتقامية متفرقة. الصحة تُدار برؤية وقائية، بميزانيات مضبوطة، بآليات مراقبة يومية، وبشفافية تجعل المواطن يرى التغيير قبل أن يُضطر إلى الصراخ في الشارع.

الوزير اليوم بدا وكأنه “اكتشف” لأول مرة ما يعانيه المواطن يوميًا: غياب النظافة، غياب الأطباء، غياب الانضباط. لكن المواطن لم يحتج ليكتشف، بل عاش هذه الاختلالات لسنوات. الفرق أن المواطن لا يملك سلطة القرار، بينما الوزير يملكها، ومع ذلك انتظر الاحتجاج ليبدأ التحرك.

الخلاصة أن القرارات الأخيرة، مهما كانت جريئة في ظاهرها، ليست سوى مرآة لتقاعسٍ سابق. من حق المغاربة أن يسألوا: ما قيمة وزير صحة لا يكتشف الخلل إلا عندما يثور الناس؟

الإصلاح الحقيقي يبدأ حين تنتقل الحكومة من عقلية “إطفاء الحرائق” إلى عقلية “منع الحرائق”. وهذا لن يتم بقرارات تأديبية ظرفية، بل ببناء منظومة صحية ترى في المواطن إنسانًا له الحق في العلاج بكرامة، لا مجرد رقم ينتظر الانفجار ليُذكّر الدولة بوجوده.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من افتتاحية

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق