داوود عبد السيد… المخرج الذي جعل السينما تفكّر
يوم امس رحل المخرج المصري داوود عبد السيد، لكن حضوره في الذاكرة السينمائية المصرية سيبقى أطول من الغياب. منذ إطلالته الأولى اللافتة بفيلم «الصعاليك» (1985)، لم يكن مجرد مخرج جديد يدخل المشهد، بل صاحب مشروع فكري وجمالي متكامل، أعلن باكراً انحيازه لفكرة «المخرج المؤلف»: ذاك الذي يكتب رؤيته على الشاشة كما يكتب الروائي نصه، ويضع أسئلته الوجودية والسياسية في قلب الحكاية، لا على هامشها.
وُلد عبد السيد من رحم جيل كان يبحث عن سينما مختلفة، سينما تُنقّب في المعنى قبل أن تُراهن على الصخب، وتؤمن بأن الصورة ليست زينة بل أداة تفكير. من «الصعاليك» إلى «الكيت كات»، ومن «أرض الخوف» إلى «رسائل البحر»، ظلّ خطه الإخراجي واضحاً: شخصيات معلّقة بين الهامش والمركز، أبطال يسكنهم الشك، وعوالم تُدار فيها السلطة بالخوف أكثر مما تُدار بالقوة.
لم يكن داوود عبد السيد مخرجاً غزير الإنتاج، لكنه كان دقيق الاختيار. كل فيلم عنده حدثٌ فكري قبل أن يكون عرضاً جماهيرياً. في «الكيت كات» قدّم شخصية الشيخ حسني، الكفيف الذي يرى أكثر مما يرى المبصرون، ليحوّل الحي الشعبي إلى مرآة فلسفية عن الحرية والوهم. وفي «أرض الخوف» ذهب أبعد، ملامساً مناطق رمادية بين الدولة والمجرم، بين الواجب والانهيار الأخلاقي، في فيلم صار مرجعاً في قراءة علاقة السلطة بالفرد.
أسلوبه البصري هادئ، متأنٍ، يرفض الاستسهال. كاميرته لا تركض خلف الإثارة، بل تتوقف عند التفاصيل الصغيرة: نظرة، صمت، جملة ناقصة. الحوار عنده ليس شرحاً، بل لغزاً مفتوحاً. والسيناريو ليس وصفة جاهزة، بل سؤال طويل عن الإنسان في مواجهة قدره.
بعيداً عن الأضواء، عاش عبد السيد وفيّاً لفكرته عن السينما: فنّ مسؤول، لا يهادن ولا يصرخ. رفض أن يكون جزءاً من سوق الاستهلاك السريع، واختار أن يترك بصمته بهدوء، مؤمناً بأن الزمن وحده هو الحكم العادل على الأعمال الصادقة.
برحيله اليوم، تفقد السينما المصرية واحداً من أكثر مخرجيها نقاءً واستقلالاً. لكنه يرحل وقد ترك مدرسة كاملة، لا تُدرَّس في المعاهد بقدر ما تُقرأ في أفلامه: سينما تُفكّر، تُشكّك، وتُربك اليقين.
ذلك هو داوود عبد السيد… مخرجٌ لم يكن يقدّم أجوبة، بل كان يُصرّ على أن يعلّمنا كيف نطرح الأسئلة.
التعاليق