حين لا تصوّت.. فانت تساعد في انتخاب من لا تريده
قبل الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر، تتكرر بين عدد من المغاربة عبارة تكاد تختصر أزمة الثقة في السياسة: “لماذا أصوت إذا كانت النتيجة محسومة؟ ومن يحكم سيحكم سواء شاركت أم بقيت في منزلي؟”.
لكن بعيدا عن النقاش حول حدود المؤسسات المنتخبة وموازين السلطة في النظام السياسي المغربي، هناك حقيقة حسابية أبسط: المقاعد التي ستوزع يوم الأربعاء لن توزع على الذين كان يمكن أن يصوتوا، وإنما بناء على أصوات الذين سيذهبون فعلا إلى صناديق الاقتراع.
وهنا تحديدا يصبح العزوف نفسه عاملا في صناعة النتيجة.
يوجد في اللوائح الانتخابية الخاصة باقتراع 2026 نحو 15,8 مليون ناخب مسجل، يتنافس على أصواتهم 7288 مترشحا ومترشحة عبر 1850 لائحة من أجل 395 مقعدا بمجلس النواب.
لكن العدد الحاسم مساء الاقتراع لن يكون 15,8 مليون مسجل، بل عدد الذين أدلوا بأصوات صحيحة.
ولتفسير ذلك ببساطة، لنفترض دائرة يوجد فيها 100 ألف ناخب مسجل، وأن لائحة حزبية تتوفر على قاعدة منظمة قوامها 10 آلاف ناخب يستطيع الحزب تعبئتهم يوم الاقتراع.
إذا لم يصوت سوى 25 ألف شخص، تصبح هذه الكتلة المنظمة ثقيلة جدا داخل الأصوات المعبر عنها. أما إذا خرج 70 ألف ناخب، فإن الأصوات العشرة آلاف نفسها تبقى عشرة آلاف، لكن وزنها النسبي ينخفض بصورة كبيرة.
لم يتغير الحزب، ولم تتغير شبكته، ولم يفقد صوتا واحدا. الذي تغير هو أن ناخبين آخرين قرروا الدخول إلى المعادلة.
وهذه هي إحدى النقاط التي تضيع في النقاش حول العزوف.
فالامتناع لا يسحب صوتا من الأحزاب التي لا يثق فيها المواطن، ولا يمنحها صوتا أيضا؛ لكنه يترك تحديد النتيجة للذين قرروا المشاركة. وكلما تقلص عدد المشاركين، ارتفعت القيمة النسبية لكل كتلة انتخابية ثابتة وقادرة على التعبئة.
ولهذا تكون المشاركة الواسعة أكثر قدرة على إدخال عنصر عدم اليقين في الحسابات المبنية مسبقا على الأنصار والقواعد المحلية وشبكات التعبئة.
وهذا ما يجعل عدم تصويتك في مصلحة الأحزاب غير الشعبية، لذلك لا يريدونك ان تصوت.
ويمكن فهمه بطريقة أخرى: إذا كان مرشح يعرف تقريبا حجم قاعدته الانتخابية ويعرف أن خصومه يعتمدون على جمهور غير منظم أو متردد في الذهاب إلى الصندوق، فإن انخفاض المشاركة يجعل محيط المنافسة أكثر قابلية للحساب. أما دخول عشرات الآلاف من الناخبين الذين لا ينتمون إلى الشبكات التقليدية فيجعل تقدير النتيجة أصعب.
وهنا تظهر خطورة فكرة “صوتي لن يغير شيئا”.
فإذا اعتقد عشرة آلاف شخص في دائرة واحدة أن أصواتهم الفردية لا قيمة لها وبقوا في منازلهم، فإنهم لا يعودون عشرة آلاف قرار فردي بلا أثر؛ بل يصبح غيابهم كتلة انتخابية كاملة لم تدخل عملية احتساب القوة بين اللوائح.
صحيح أيضا أن التصويت لا يمنح الناخب سلطة مباشرة على كل مؤسسات الدولة، وأن النظام السياسي المغربي لا يختزل في مجلس النواب أو الحكومة. لكن الاقتراع يحدد تركيبة مجلس النواب المكون من 395 مقعدا، ومن يمتلك الأغلبية داخله، وحجم الفرق البرلمانية والمعارضة، وموازين التصويت على القوانين والميزانية وممارسة الرقابة البرلمانية. والانتخابات الحالية تجري بالاقتراع العام المباشر بنظام اللائحة.
بل إن المواطن الذي يريد معاقبة حزب حكم ولم يقتنع بحصيلته لا يمارس هذا العقاب بمجرد عدم التصويت له إذا اختار في الوقت نفسه عدم المشاركة. فالامتناع لا يسجل في النتيجة باعتباره صوتا ضد ذلك الحزب.
النتائج تحسب انطلاقا من الأصوات التي دخلت فعليا إلى المنافسة.
وهذا يجعل الفرق كبيرا بين رفض الأحزاب وترك الآخرين يختارون مكانه.
هكذا فعندما يعرف المرشحون أن فئة معينة تصوت بكثافة، تصبح مواقفها ومطالبها ذات وزن انتخابي. وعندما تكون فئة واسعة قليلة التسجيل أو المشاركة، يصبح الضغط الانتخابي الذي تمارسه أضعف مهما كان حجمها الحقيقي داخل المجتمع.
من هنا يمكن قلب السؤال الذي يطرحه المواطن المتردد.
بدلا من: “هل سيغير صوتي وحده نتيجة الانتخابات؟”، يصبح السؤال: ماذا يحدث للنتيجة عندما يفكر مئات الآلاف بالطريقة نفسها؟
التعاليق