إفادة
إفادة
الإثنين 31 أغسطس - 12:41

حين تصبح الأجرة ضمانة للبنك لا حماية للأسرة.. موظفو القطاع العام في صدارة المديونية

تكشف المعطيات الرسمية حول مديونية الأسر المغربية مفارقة لافتة في بنية الائتمان بالمغرب: فالفئات التي يفترض أن يمنحها استقرار الدخل قدرا أكبر من الأمان المالي، وفي مقدمتها موظفو القطاع العام، أصبحت من بين الأكثر تعرضا لضغط القروض، في سياق تتقاطع فيه محدودية السياسات العمومية الداعمة للقدرة الشرائية مع توجه بنكي يفضل تمويل الزبناء الأقل مخاطرة.

وبحسب التقرير السنوي حول الاستقرار المالي لسنة 2025، بلغ متوسط الجزء المخصص لسداد القروض لدى الموظفين والعاملين في القطاع العام 44 في المائة من دخلهم، وهي أعلى نسبة بين مختلف الفئات المهنية التي شملتها الدراسة.

ولا تشمل هذه النسبة جميع موظفي القطاع العام، وإنما المقترضين الذين حصلوا على قرض جديد أو جددوا قرضا قائما خلال سنة 2025، ضمن عينة بلغت 639 ألفا و13 ملفا.

وتظهر المقارنة أن متوسط المديونية بلغ 34 في المائة لدى أجراء القطاع الخاص، و36 في المائة لدى المتقاعدين، و32 في المائة لدى أصحاب المهن الحرة، ما يضع موظفي القطاع العام في مقدمة الفئات التي تقتطع القروض الحصة الأكبر من مداخيلها.

ويعني ذلك أن الموظف المعني بهذه العينة يخصص، في المتوسط، ما يقارب نصف دخله الشهري لخدمة الدين، قبل احتساب تكاليف السكن والغذاء والنقل والتعليم والصحة وباقي النفقات التي شهد جزء كبير منها ارتفاعات متراكمة خلال السنوات الأخيرة.

وتصبح الصورة أكثر حدة عند النظر إلى المقترضين الذين تتجاوز أقساطهم 40 في المائة من الدخل. فقد ارتفعت نسبتهم إلى 38 في المائة من مجموع الملفات المدروسة، مقابل 32 في المائة قبل سنة، في حين تستحوذ هذه الفئة وحدها على 45 في المائة من قيمة القروض موضوع الدراسة.

وفي أوساط الموظفين الذين تجاوزوا عتبة 40 في المائة، يصل متوسط عبء المديونية إلى 63 في المائة من الدخل، مقابل 61 في المائة لدى المتقاعدين، و59 في المائة لدى أصحاب المهن الحرة، و56 في المائة لدى أجراء القطاع الخاص.

هذه الأرقام لا تعكس فقط إقبالا متزايدا للأسر على الاقتراض، بل تطرح سؤالا أوسع حول طبيعة النموذج الذي جرى من خلاله تدبير تراجع القدرة الشرائية خلال السنوات الأخيرة. فبدل أن يشكل تحسن الأجور والخدمات العمومية والحماية الاجتماعية خط الدفاع الأول عن دخل الأسرة، أصبح الائتمان في حالات كثيرة أداة لتعويض فجوة متزايدة بين الأجور وكلفة المعيشة.

وهنا تبرز مسؤولية السياسات العمومية، ليس باعتبار الدولة طرفا مباشرا في كل قرار اقتراض، وإنما من زاوية البيئة الاقتصادية التي تدفع أسرا متزايدة إلى اللجوء إلى التمويل لتغطية حاجات لم تعد مرتبطة دائما بالاستهلاك الاختياري، بل أصبحت تشمل السكن والتعليم والصحة والنقل ومصاريف الحياة اليومية.

ومن جهة أخرى، تكشف الأرقام عن منطق واضح لدى الأبناك ومؤسسات التمويل يقوم على البحث عن القروض الأقل مخاطرة. فالموظف الذي يتقاضى أجرا منتظما، خصوصا في القطاع العام، يشكل بالنسبة إلى المؤسسة المقرضة ملفا أكثر أمانا من صاحب دخل متذبذب أو نشاط غير قار.

وبهذا المعنى، تتحول الوظيفة العمومية من ضمان للاستقرار الاجتماعي إلى ضمانة ائتمانية جذابة بالنسبة إلى الأبناك. فانتظام الأجرة وقابلية توقعها يسمحان للمؤسسات المالية بتوسيع قدرة الموظف على الاقتراض، حتى عندما ترتفع نسبة الأقساط إلى مستويات تضغط بقوة على دخله المتبقي.

ولا يتعلق الأمر، من منظور الأبناك، بسلوك غير عقلاني بالضرورة؛ فهي تدير المخاطر وتسعى إلى حماية جودة محافظها الائتمانية. لكن الإشكال يظهر عندما يصبح معيار انخفاض مخاطر عدم الأداء أهم من تقييم الأثر الاجتماعي لتراكم الديون على الأسرة.
فالقرض الذي يبدو آمنا بالنسبة إلى البنك قد يكون مرهقا بالنسبة إلى المقترض.
وتتضح هذه المفارقة أكثر عند مقارنة مستوى المديونية بارتفاع القروض المتعثرة. فقد بلغت ديون الأسر خلال سنة 2025 نحو 456.3 مليار درهم، بزيادة 6.9 في المائة، وهي أعلى وتيرة نمو منذ سنة 2012، فيما ارتفعت القروض الاستهلاكية بنسبة 13.2 في المائة لتصل إلى 183 مليار درهم.

وفي المقابل، بلغت قيمة القروض المتعثرة حوالي 47 مليار درهم، ووصلت نسبة القروض الموجهة للأسر المصنفة ضمن الديون غير المسددة إلى نحو 10.3 في المائة.

ويضع هذا التطور الخطاب التقليدي حول “توسيع الولوج إلى التمويل” أمام اختبار حقيقي. فسهولة الحصول على القرض لا تعني بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي للأسرة، مثلما أن ارتفاع حجم الائتمان لا يمثل في حد ذاته مؤشرا على الرفاه.

فالأسرة التي تقترض لتمويل استهلاك إضافي ليست في الوضع نفسه الذي تلجأ فيه إلى القرض للحفاظ على مستوى معيشي تراجعت قدرتها على تمويله من دخلها الجاري.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة توسع القروض الاستهلاكية باعتباره مؤشرا يحتاج إلى تحليل يتجاوز الأرقام البنكية الصرفة. فإذا كان جزء من هذا النمو يعكس نشاطا اقتصاديا عاديا، فإن ارتفاع نسب المديونية بالتوازي مع صعود كلفة المعيشة يثير احتمال تحول الائتمان إلى آلية لتمويل اختلال بنيوي في ميزانيات الأسر.

وتطرح هذه الوضعية كذلك سؤال الرقابة الاحترازية وحماية المستهلك البنكي. فبلوغ أقساط القروض لدى فئة واسعة مستويات تفوق 40 في المائة من الدخل، ووصول المتوسط لدى بعض الموظفين المثقلين بالديون إلى 63 في المائة، يفرض نقاشا حول الحدود التي ينبغي عندها اعتبار منح قروض إضافية مخاطرة اجتماعية، حتى وإن ظلت المخاطرة البنكية المباشرة محدودة.

فالمؤسسة المقرضة قد تسترد أقساطها بانتظام من أجرة مستقرة، بينما يتحمل المقترض كلفة ذلك عبر تقليص الإنفاق على حاجاته الأساسية أو اللجوء إلى قرض جديد لإعادة تمويل قرض سابق.

وهي حلقة يمكن أن تجعل انتظام الأجرة عاملا يسهّل تراكم الدين بدل أن يوفر الحماية منه.

وإذا استمر ارتفاع المديونية بوتيرة تفوق تحسن المداخيل الحقيقية، فقد تجد السياسات العمومية نفسها أمام نموذج يقوم عمليا على تعويض ضعف القدرة الشرائية بتوسيع الائتمان، بينما تواصل الأبناك القيام بما تمليه عليها منطقية السوق: تمويل الزبون الأكثر قدرة على الأداء والأقل تكلفة من حيث المخاطر.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق