حوض سباتة ضد الفيضانات يعيد مخاوف سيدي عثمان.. بسبب البعوض
أطلقت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات، يوم الاثنين 27 أبريل 2026، مشروعاً جديداً لتعزيز شبكة تصريف مياه الأمطار بحي سباتة، من خلال بناء حوض تحت أرضي بسعة إجمالية تبلغ 37 ألف متر مكعب، في خطوة تروم الحد من مخاطر الفيضانات التي تهدد عدداً من الأحياء الحضرية خلال فترات التساقطات القوية.
المشروع، من حيث الفكرة، يندرج ضمن البنيات التحتية الضرورية التي تحتاجها مدينة كبرى مثل الدار البيضاء، حيث أصبح تدبير مياه الأمطار واحداً من أعقد ملفات التعمير والخدمات الحضرية. فالمدينة تعرف توسعاً عمرانياً كبيراً، وكثافة سكانية مرتفعة، وتراجعاً في قدرة التربة على امتصاص المياه بسبب الإسمنت والطرق والبناء المكثف، وهو ما يجعل شبكات التطهير تحت ضغط كبير عند كل موجة أمطار قوية.
غير أن إطلاق هذا المشروع في سباتة لا يمكن قراءته فقط من زاوية الحماية من الفيضانات، بل يفرض أيضاً استحضار تجارب مشابهة في أحياء أخرى، خاصة تجربة سيدي عثمان، حيث اشتكى سكان من انتشار البعوض والحشرات بسبب تجمع مياه راكدة تحت الأرض أو بالقرب من مناطق سكنية كثيفة، دون تدخل كاف أو سريع من الجهات المعنية للحد من الأضرار الصحية والبيئية الناتجة عن ذلك.
وحسب المعطيات المعلنة، فإن مشروع سباتة يتضمن إنجاز حوض تحت أرضي لتجميع مياه الجريان السطحي القادمة من حوض مائي حضري يغطي حوالي 100 هكتار جنوب سباتة، بكلفة إجمالية تقارب 100 مليون درهم. كما يشمل المشروع قنوات ومنشآت تقنية مرافقة، من بينها قناة رئيسية لتجميع مياه الأمطار بقطر 1200 ملم على طول 250 متراً، وقناة لاعتراض المياه بقطر 800 ملم على طول 35 متراً، إضافة إلى قناة للمياه العادمة بقطر 400 ملم على طول 105 أمتار، وممر تحت أرضي بطول 702 متر، وسبعة آبار ولوج مخصصة للصيانة.
تقنياً، تقوم فكرة هذه الأحواض على تجميع مياه الأمطار الزائدة بشكل مؤقت، ثم تصريفها تدريجياً نحو الشبكة، بدل تركها تتدفق دفعة واحدة وتغرق الشوارع والمنازل والمحلات. وهذا النوع من المنشآت يُستعمل عادة في المدن الكبرى لتخفيف الضغط على قنوات الصرف، خصوصاً في الأحياء التي تعرف اختناقات متكررة أو تقع في مناطق منخفضة.
لكن التجربة العملية تبيّن أن نجاح هذه المشاريع لا يتوقف على بنائها فقط، بل على طريقة تدبيرها بعد الإنجاز. فالحوض تحت الأرض، إذا لم يُفرغ بشكل منتظم، وإذا لم يخضع للتنظيف والمراقبة والصيانة، يمكن أن يتحول من منشأة لحماية السكان من الفيضانات إلى نقطة سوداء بيئية وصحية، خصوصاً عندما تتجمع فيه المياه الراكدة والرواسب، وتصبح بيئة ملائمة لتكاثر البعوض والحشرات.
وهنا تبرز أهمية الإشارة إلى تجربة سيدي عثمان، التي ينبغي أن تكون درساً قبل تعميم مشاريع مشابهة في أحياء أخرى. فحسب شكايات متداولة محلياً، عانى سكان من انتشار البعوض بعد تجمع مياه راكدة في منشأة أو فضاء تحت أرضي قريب من تجمعات سكنية، ما جعل المشروع، الذي يفترض أن يحمي السكان من خطر الفيضانات، يتحول في نظرهم إلى مصدر إزعاج يومي وخطر صحي محتمل.
وتزداد خطورة هذا النوع من الحالات عندما توجد هذه المنشآت بجانب أحياء مكتظة، حيث يصبح أثرها مباشراً على الأسر والأطفال وكبار السن، خصوصاً في فصل الحرارة، حيث تتكاثر الحشرات بسرعة أكبر. وقد سبق أن أشارت معطيات منشورة حول الدار البيضاء إلى تصاعد شكاوى السكان من الحشرات والبعوض في عدد من المناطق، ما دفع الجهات المعنية إلى الإعلان عن حملات لمحاربة الحشرات والقوارض، مع وضع رقم أخضر للتبليغ عن بؤر انتشارها.
هذا المعطى يجعل مشروع سباتة أمام اختبار مزدوج: اختبار تقني مرتبط بقدرته على الحد من الفيضانات، واختبار صحي وبيئي مرتبط بضمان ألا يتحول الحوض إلى مصدر للمياه الراكدة والروائح والحشرات. فالمشكل لا يكمن في مبدأ إنشاء الحوض، بل في غياب دفتر تحملات واضح ومعلن يحدد كيف ستتم صيانته، وكم مرة ستتم مراقبته، ومن سيتدخل عند ظهور شكايات السكان، وما هي آجال الاستجابة.
وتتوفر الدار البيضاء أصلاً على شبكة واسعة من المنشآت المرتبطة بمياه الأمطار والتطهير، إذ تشير وثائق وخدمات جماعة الدار البيضاء إلى وجود عشرات الأحواض ومحطات الضخ والمراقبة ضمن البنية الحضرية للمدينة، وهو ما يؤكد أن التحدي ليس فقط في إضافة منشآت جديدة، بل في حكامة تشغيل هذه المنشآت وتنسيق تدخلات الجماعة والشركة الجهوية والمقاطعات وشركات النظافة ومحاربة الحشرات.
كما أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات أصبحت، منذ دخولها مرحلة التشغيل، فاعلاً مركزياً في تدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل على مستوى الجهة، بعد إعادة هيكلة نموذج التوزيع والخدمات العمومية. وهذا يمنحها مسؤولية مباشرة ليس فقط في إنجاز البنيات التحتية، بل أيضاً في ضمان فعاليتها واستمراريتها وسلامتها بالنسبة للساكنة.
من هذه الزاوية، لا يجب تقديم حوض سباتة باعتباره حلاً نهائياً لمشكل الفيضانات، بل كبنية تحتاج إلى شروط صارمة حتى تحقق أهدافها. أول هذه الشروط هو ضمان التصريف المنتظم للمياه وعدم تركها راكدة لفترات طويلة. وثانيها تنظيف الرواسب والأوحال بعد فترات الأمطار القوية. وثالثها مراقبة الحوض والآبار التقنية بانتظام. ورابعها التنسيق مع مصالح محاربة الحشرات قبل بداية فصل الحرارة، وليس بعد ظهور الشكايات.
كما ينبغي اعتماد آلية تواصل محلية مع السكان، لأن الأحياء المعنية ليست مجرد فضاءات تقنية، بل مناطق مأهولة بكثافة. لذلك يجب أن يعرف السكان الجهة المسؤولة عن الحوض، ورقم التبليغ، وآجال التدخل، وطبيعة الإجراءات المتخذة عند ظهور البعوض أو الروائح أو تجمع المياه. فغياب التواصل يخلق الإحساس بأن المشروع فُرض على الحي دون ضمانات، حتى وإن كان هدفه الأصلي هو الحماية من الفيضانات.
وتطرح هذه المشاريع أيضاً سؤال العدالة المجالية داخل الدار البيضاء. فإذا كانت الأحياء الشعبية مثل سباتة وسيدي عثمان وسيدي مومن وغيرها تتحمل جزءاً كبيراً من ضغط التوسع العمراني، فإنها تحتاج إلى بنية تحتية فعالة، ولكن أيضاً إلى حماية صحية وبيئية حقيقية. فلا معنى لحماية الساكنة من مياه الأمطار إذا كانت النتيجة خلق بؤر جديدة للبعوض والحشرات قرب المنازل.
إن تجربة سيدي عثمان، كما يرويها سكان متضررون، ينبغي أن تدفع السلطات إلى اعتماد مقاربة استباقية في سباتة، لا أن تنتظر تكرار الشكايات نفسها. والمطلوب هنا ليس وقف المشروع أو التشكيك في ضرورته، بل تقويته بضمانات واضحة: صيانة دورية، مراقبة صحية، تدخل سريع، شفافية في المسؤوليات، وربط المشروع بخطة محاربة الحشرات والنقط السوداء.
في المحصلة، يمثل مشروع الحوض تحت الأرض بسباتة استثماراً مهماً في مواجهة الفيضانات، خصوصاً أن سعته البالغة 37 ألف متر مكعب تعكس توجهاً نحو حلول كبرى لتدبير مياه الأمطار. لكن قيمة المشروع لن تُقاس فقط بقدرته على تجميع المياه، بل بقدرته على حماية الساكنة دون خلق أضرار جانبية.
فالدار البيضاء لا تحتاج فقط إلى أحواض تحت الأرض، بل إلى سياسة حضرية متكاملة تجعل من تصريف مياه الأمطار، ومحاربة المياه الراكدة، وصيانة المنشآت، وحماية الصحة العامة، عناصر مترابطة في مشروع واحد. وتجربة سيدي عثمان تقدم إنذاراً واضحاً: البنية التحتية، إذا غابت عنها الصيانة، قد تتحول من حل إلى مشكل جديد.
التعاليق