حزب الأحرار بالحي المحمدي يعيش صحوة انتخابية متأخرة
ثمة مفارقة سياسية يصعب ابتلاعها في البلاغ الذي أصدره فريق حزب التجمع الوطني للأحرار بمقاطعة عين السبع. فالحزب الذي اختار، قبل أشهر قليلة فقط من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أن يكتشف فجأة “الانفراد بالقرار” و”سوء التدبير” و”غياب الحكامة”، هو نفسه الحزب الذي ظل طيلة أربع سنوات جزءا من المشهد السياسي المحلي، يراقب من الداخل ما يجري دون أن يسمع الرأي العام عنه مواقف بالحدة نفسها التي ظهرت اليوم.
الأغرب من ذلك أن البلاغ يقدم الحزب باعتباره “الممثل الوحيد للمعارضة” داخل المجلس، وكأن الأمر يتعلق بقوة سياسية ظلت منذ بداية الولاية تخوض معارك يومية ضد الأغلبية، والحقيقة هي انه هو من ساهم في وصول يوسف الرخيص إلى رئاسة المجلس وساهم في محطة ثانية في استمراره فيها، بل كان مكونا للأغلبية المسيرة للمجلس.
ان أبناء الحي المحمدي يتساءلون أين كانت هذه المعارضة “المسؤولة والبناءة” عندما كانت سندات الطلب تمر، وعندما كانت الاعتمادات تصرف، وعندما كانت المشاريع تتعثر أو تغيب؟
ليس من السهل إقناع المواطنين بأن اكتشاف مشاكل التسيير جاء صدفة في يونيو 2026، أي قبل فترة قصيرة من انطلاق العد العكسي للانتخابات التشريعية والجماعية. فالحديث اليوم عن غياب النقاش حول الصفقات وسندات الطلب والمساعدات الغذائية وتجهيزات الملاعب يطرح سؤالا بسيطا: هل ظهرت هذه الملفات فجأة أم أنها كانت قائمة طوال السنوات الماضية؟
إذا كان الحزب يتحدث اليوم عن سندات طلب لصيانة المسابح، واقتناء معدات رياضية، وتجهيزات لكمال الأجسام بقيمة عشرات الملايين، وعن قفف غذائية تحوم حولها علامات استفهام، فإن هذه المعطيات لا تدين فقط من اتخذ القرار، بل تطرح أيضا مسؤولية من كان يفترض فيه ممارسة الرقابة السياسية والمؤسساتية منذ البداية، لا أن ينتظر اقتراب موسم الانتخابات ليعلن اكتشافه للاختلالات.
السياسة ليست موسما انتخابيا، والمعارضة ليست موقفا ظرفيا يتم استدعاؤه عندما تقترب صناديق الاقتراع. فالعمل الرقابي الحقيقي يقاس بالاستمرارية والقدرة على تحويل الملاحظات إلى مبادرات وأسئلة وطلبات مساءلة وتقارير للرأي العام طوال الولاية، وليس في أشهرها الأخيرة.
واللافت أن البلاغ يقر بأن المقاطعة تصرف سنويا أكثر من مليارين وربع سنتيم من المال العام دون حصيلة دقيقة أو برمجة واضحة، وفق تعبيره. وهو اعتراف خطير يثير سؤالا أكثر إحراجا: إذا كان الحزب يعتقد فعلا أن هذا الوضع قائم منذ سنوات، فلماذا لم يرفع صوته بالوضوح نفسه قبل أربع سنوات أو ثلاث أو حتى سنة؟
في النهاية، ليست المشكلة في أن ينتقد حزب ما تدبير مجلس مقاطعة، بل في أن يفعل ذلك بعد سنوات من الصمت، ثم يطلب من الناخبين تصديقه.
التعاليق