عز الدين بوركا
عز الدين بوركا
الأحد 28 سبتمبر 2025 - 05:45

جيل “كتلة الشتات”.. جيل Z.. محاولة لفهم ما حدث بالأمس

لم يكن الأمس يوما عاديا في المغرب. خرج شباب الجيل الجديد، جيل Z، إلى الشوارع ككتلة غير متجانسة، كتلة واحدة، “كتلة من الشتات” بالمعنى المزدوج: شتات في المرجعيات والهويات والخلفيات، وشتات بالمعنى المعاصر المرتبط بالاختلاف لا الخلاف؛ لكنهم في لحظة غضب تَحوّلوا إلى جسد (كتلة) واحد يهتف من أجل الحق في الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية -وهي مطالب تدعي الحكومة أنها جاءت لتلبيتها. لم يتقدّمهم أو يقوهم زعيم سياسي، ولم تستدعهم نقابة، ولم توجههم جمعية أو يؤطرهم حزب، وإنما تحركوا من فضاءات رقمية يصعب ضبطها أو فهم منطقها، وليد العصر الجديد لا “زراويط البصري”. ولعل أهم ما يميز هذا الجيل هو أنه ولد في حضن الشبكة (التفرعات، الشتات، الانسجام في الاختلاف)، في زمن الإنترنت والشبكات الاجتماعية، فصار يتنفس لغة مختلفة ويصوغ أدوات نضاله وفق منطق الشبكة لا منطق الهرمية.
الدولة ـــأو ما يُعرف بالمخزن في الذاكرة السياسية المغربيةـــ أو لنقل “الكومة” في محاولة أولية للفهم، ردّت على هذه الكتلة بمنطق قديم، كأن الزمن لم يتحرك. اعتقالات بالجملة، تدخلات عنيفة في شارع محمد الخامس (بكل ما يحمله هذا السام من رمزية متعلقة بالمغرب الجديد) وغيره من شوارع المدن، مطاردات في الأزقة الخلفية. وكأننا أمام إعادة إنتاج لأسلوب سنوات “ادريس البصري” البوليسية، حيث العصا هي الوسيلة الوحيدة لإسكات الأصوات. أحد المعلقين كتب بمرارة: “من أشار على الشرطة بالتدخل لا يفهم هذا الجيل، وأكيد أنه من بقايا مدرسة البصري”. وهنا تكمن المفارقة: جيل يعيش في المستقبل بكامل الحرية يواجه سلطة ما زالت حبيسة الماضي بكامل القمعية.
ما الذي تخشاه السلطة؟ إنها تخشى بالأساس غياب القيادة، لهذا كانت الاعتقالات بالجملة والتفصيل، حتى تجد “راس الخيط”، ذلك الوهم افتراضي الذي لا وجود له، في تصور الجيل الجديد. في السابق، كانت الدولة تعرف كيف تفاوض: تبحث عن الزعيم، أو تُغري النقابة، أو تستوعب الحزب. اليوم لم يعد هناك زعيم، ولم تعد هناك وساطة. وهذا ما كنت قد ذكرناه مرارا وتكرارا حيث يغيب الوسطي بين الشارع والدولة، حينما يفقد الأول حس التصديق بكل ما تقوم به الثانية، حين يؤمن أن ما يقد على التلفزيون مناقض لما يعرفه على النِت، وأن صورة التلفزيونية وردية دائما، وصورة السوشل مديا بكل الألوان. وبعد أن انهارت كل المؤسسات التي قد تلك لعبة الوساطة دور الوسيط، على الدولة أن تتحمل مسؤولية تهميش هذه الكيانات المدنية، أو الغاء عنها صفة الحياد بالقمع أو المنع أو الاغراء، وأما الأحزاب والنقابات مسؤولة أيضاً عن قابلية تدميرها وعن صمتها وعن انسحابها من الشراع ومن ربط علاقة صدق ومصداقية مع جيل Z، جيل تم الظن أنه تعلق بالتافه والشوف TV، لينسى الواقع وما يقع، لكن “كتلة الشتات” هذه، ما أن تتحرك حتى تصير جسدا من الاندفاعات، وهو ما لا يمكن التنبؤ بما يحتدم عنه من “أمور”، لأن جيد لا يقوده “رأس” يفكر ويقرر ويأمر، وإنما خلاف ذلك، إنه كتلة متفرقة تندفع وتقدم بوصفها رؤوسا متحررة من قيود “الأمر”، وهو ما لم يفهمه هؤلاء الذين يدعون قيادة الحكومة، يفكرون بعقلية الماضي، في ظل الزمن المعاصر. واليوم المشهد واضح: دولة -بفعل بلاهة الحكومة- وجها لوجه أمام مجتمع يرفع صوته بلا وسطاء.. في حين يظن الحزب الحاكم أن يعلق ممثل باسمه أو يمدح شابا وزيرا، أن هذا الجيل سندفع صوب مساحة التصديق الآمنة، متناسيا أن قوة الأنترنيت أشد وأعظم، في تبيان حقائق بقدر ما تخفي أخرى، لكنه يتيح للكل أن يعبر عن رأيه وللمعلومة صلاحية الانتشار الحر.. لننظر ما حدث من تغيير في عقلية المواطن الأوروبي والغربي تجاه القضية الفلسـ *ـينية، وخاصة في صفوف الجيل الجديد، كل ذلك بفعل الأنترنيت..
سبق أن اعتبر هابرماس أن الفضاء العمومي مجال للتداول بين الدولة والمجتمع عبر وسائط مَدنية. غير أن ما نشهده اليوم هو انهيار هذا الفضاء بالصيغة الكلاسيكية، وصعود فضاء رقمي موازٍ، لا يخضع لقواعد الضبط السابقة. وهنا يصبح “المجتمع الخام” قوة مباشرة، لا تتكئ على مؤسسات ولا على قنوات، وإنما تفرض حضورها بشكل فجائي.
وبلغة زيغمونت باومان فهذا الجيل ينتمي إلى عالم سائل، سريع الحركة، متغير باستمرار، متشتت وظائف فوق مياه عميقة. في عالم، لا تستقر فيه الهويات، ولا تُبنى العلاقات على الثبات، بل على التدفق المستمر. لذلك فإن كتلة الشتات التي خرجت إلى الشارع الأمس هي صورة عن هذه الحداثة السائلة: كتلة تتشكل بسرعة، تذوب وتتفكك، لكنها قادرة على الانفجار في لحظة محددة، خارج كل منطق التوقع. السلطة التي تعيش بعقلية الماضي لا تستطيع أن تضبط جيلا متحركا بهذه السرعة، جيل يخرج من الشتات الرقمي إلى الشارع ثم يعود إلى شبكاته في اللحظة نفسها.
لكن الأهم من كل ذلك أن مطالب هذا الجيل لم تكن سياسية مباشرة. لم يخرجوا بشعار “إسقاط النظام” أو “رحيل الحكومة”، وإنما رفعوا شعارات اجتماعية بسيطة: مكافحة الفساد، الحق في المستشفى، الحق في المدرسة (وهي كل مطالب مشروعة لا ينبغي أن تُقابل بالزرواطة). إنهم يعرفون أن سقفهم الاجتماعي هو ما يجذب فئات واسعة من المجتمع، من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، التي لم تعد تحتمل انهيار الخدمات العمومية. غير أن الرد العنيف من السلطة هو الذي يمكن أن يدفع هذه الشعارات إلى التصعيد، من مطالب اجتماعية إلى احتجاجات سياسية، إذ إن القمع يرفع سقف المطالب دائما.. لهذا قلنا ان من أدار بوليسيا الأمس لا ينتمي لعالم اليوم..
لقد بدا واضحا أن الحكومة لا تملك جوابا على السؤال الاجتماعي؛ إذ في دول تحترم نفسها ومواطنيها، كان لرئيس الحكومة أن يخرج ليلا ولو ف وقت متأخر، ليحدثنا عن ملابسات ما حدث. غير أن الحكومة غائبة، والأحزاب متفرقة، ورئيس الحكومة يتجول في محلات نيويورك محملاً بالهدايا، بينما أبناء المغاربة يُشحنون إلى مراكز الشرطة في سيارات الاعتقال. هذه الصورة وحدها كافية لتغذية الغضب الشعبي -وهو ما لا نفضله ولا نرغب فيه- لأنها تكشف أن هناك مغربين متناقضين: مغرب يئن تحت وطأة الفقر والفساد والمحسوبية -وخطابات الملك أكد في ير قليل من المرات مخاطر ذلك- وتردي الخدمات، ومغرب يعيش في أبراج معزولة لا يحس بنبض الشارع؛ في ما سماه الملك بـ”مغرب السرعتين”.
جيل “كتلة الشتات” خرج اليوم لأنه لم يعد يثق في مؤسسات الدولة. لم يعد يؤمن بالوعود، ولا بالتدرج، ولا بالتسويات الرمادية. هذا الجيل، كما تقول كثير من الدراسات، حاد المزاج، سريع الحركة، ولد مع الثورة التكنولوجية، ويعتبر نفسه جزءا من عالم أوسع، يرى ما يحدث في بلدان أخرى، ويقارن بين واقعه وواقع أقرانه في كل مكان. إنهم يرون أن العالم يتحرك بسرعة، وأن القيم تنهار وتتبدل، وأن المستقبل ليس بعيداً عن متناولهم إذا ما فرضوا حضورهم.
ولعل ما يزيد الوضع خطورة هو أن هذا الجيل يشتغل بلغته الخاصة، بوسائله الرقمية، وبآليات يصعب على السلطة حتى فهمها. هناك فضاءات رقمية مغلقة، مجموعات صغيرة، شبكات يصعب رصدها، لكنها تنتج قرارات جماعية في وقت وجيز. الدولة تعتقد أن السيطرة الأمنية كافية، لكنها تجهل أن الشبكات الرقمية تولّد باستمرار بدائل جديدة، وأن كل محاولة للضبط تنتج أشكالا جديدة من التملص والمقاومة.
هذا الوضع يعيدنا إلى سؤال جوهري: هل تستطيع الدولة أن تحكم المغرب اليوم بنفس العقلية التي حكمت بها في التسعينات؟ الجواب بوضوح هو لا. المغرب تغير، المجتمع تغير، الشباب تغير. الرد الأمني ليس سوى هروب إلى الأمام، لكنه لن يحل الأزمة، بل سيعمقها.
المطلوب اليوم هو جواب سياسي على السؤال الاجتماعي. جواب يعيد الاعتبار للصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية. جواب يفتح المجال للشباب كي يدخلوا السياسة بكرامة، لا أن يُدفعوا إلى الشارع ثم يُقمعوا. إن أي محاولة لإبقاء هذا الجيل “ميتا سياسيا” أو “موضوعا في ثلاجة” لن تنجح، لأن الزمن لا يعود إلى الوراء.
إن ما جرى اليوم يجب أن يكون جرس إنذار للسلطة. كتلة الشتات التي خرجت ليست عابرة، بل هي بداية تحول عميق. إذا لم تستوعب الدولة هذا التحول، فإنها ستجد نفسها في مواجهة متكررة مع جيل لا يقبل القمع، ولا يرضى بالوعود المؤجلة. هذا الجيل يقول: نريد حياة كريمة، ونريدها الآن. وأيّ جواب خارج هذا السياق سيقود إلى مزيد من الاحتقان، ومزيد من الشرخ بين المجتمع والدولة.
إن المستقبل لن يُحكم بالعصا، ولا بالعقلية القديمة. المغرب يحتاج إلى سياسة جديدة، إلى عقد اجتماعي جديد، إلى وعي بأن الشباب ليسوا تهديدا، وإنما هم طاقة يمكن أن تكون لبناء الغد. أما إذا اختارت السلطة أن تُدير ظهرها لهذه الحقيقة، فإن “كتلة الشتات” ستعود مرارا إلى الشوارع… لأنها بلا “رأس”.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق