مصطفى المنوزي
مصطفى المنوزي
الإثنين 29 سبتمبر 2025 - 05:02

جيل زيد وتحدي السيادة: بين استغلال المطالب المعيشية وضرورة التغيير الاستراتيجي

حقا إن المجتمع المغربي حي يرزق ولكن يعيش بصعوبات بنيوية ، تتفاعل مكوناته وفئاته عموديا وافقيا وبخصوصيات السياق الوطني والدولي ، فليس هناك جيل أفضل من سابقه ولا زمن أجمل من لاحقه ؛ هناك متحول وهناك ثوابت لم تتغير ، ومنها ما هو مرتبط عضويا بطبيعة النظام السياسي وسياسات الدولة وحلفائها الطبقيين والموظفين الحاكمين ، ومدى إمتداد العلاقات بالخارج ونوعية السيادة والتعاقدات ؛ وبكل ما له ارتباط بالخاصيات المفضية إلى إعاقة التقدم والتحول والتنمية ، وتداعيات ذلك من عواقب ومآسي عظمى متعلقة بثالوث الفقر واللامساواة واللاستقرار الإجتماعي، في ظل منظومات أمنية تعتمد الإستبداد والمحسوبية والقبلية اسلوبا اساسيا للسلطة . وبالتالي إعمال النسبية والسلام بين الإطار والمحتوى ، أي بين التيار وإستراتيجيته ، فما يجري من وقائع لا يمكن فصله عن صيرورة وسيرورة الموجات الثورية الموؤودة عبر التاريخ الوطني ؛ فمن القوى الإجتماعية والسياسية التي نوعت من أساليب الكفاح والنضال والصراع ، فمطالب التغيير تنوعت واتخذت أشكال انتفاضات وعمليات مسلحة وإصلاحات وتسويات ، وتحقق النذر القليل .وسيظل مطلب التغيير مفتوحا مقترنا بالمواجهات والصدام والعنف ما دام الصراع قائما بين القوى ، فمن بين الفاعلين من يختار استراتيجية النضال الديمقراطي ومن سيختزل العملية في الإنتخاب أو الاحتجاج؛ و لذلك و في ظل حُمّى الزمن الانتخابي وتصاعد نزعتَي العدمية والشعبوية، يصبح من الضروري التمييز بين من يسعى إلى الركوب على مطالب جيل زيد لتوظيفها في معارك ظرفية، وبين من يعبّر عن إرادة الدعم والتضامن قصد تحويلها إلى أوراش فعلية للتغيير.
حتى لا تُختَزل هذه المطالب في شؤون انتخابية ضيقة، وجب التنبيه إلى أنّ التركيز على الصحة والتعليم، رغم راهنيتهما، لا يغني عن المطلب المركزي: الشغل/التشغيل. فهذا الأخير ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل خيار استراتيجي يرتبط بالسيادة الاقتصادية والعدالة المجالية والأمن الاجتماعي.
لكن المعضلة تكمن في أنّ المغرب ما يزال ملتزمًا إلى حد بعيد بإملاءات المؤسسات المالية الدولية، وهو ما يقيّد هامش القرار الوطني ويجعل السياسات العمومية أقرب إلى وصفات جاهزة من أن تكون تعبيرًا عن إرادة شعبية مستقلة. وهنا يصبح خطر الاختزال مضاعفًا: اختزال المطالب في خدمات اجتماعية محدودة من جهة، واختزال السياسات الوطنية في تنفيذ أجندات خارجية من جهة ثانية.
من هنا، يفرض التفكير النقدي التوقعي نفسه كأداة لفك هذا القيد المزدوج: كيف نُحوِّل المطالب المشروعة إلى أوراش استراتيجية لا تُختزل في الأجندة الانتخابية، وكيف نعيد بناء علاقة الدولة بالمجتمع على أساس التشارك في صياغة البدائل، بدل الاكتفاء بتلقي التعليمات أو استنساخ الوصفات.
جيل زيد إذن، ليس فقط جيل المطالب المعيشية، بل جيل يسائل معنى الاستقلال الاقتصادي والعدالة التوزيعية، ويطالب باندماج فعلي في المشروع الوطني على قاعدة الكرامة والجدوى والسيادة، بعيدًا عن الشعبوية الانتخابية وضغوط الاستقطاب.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق