تنظيم المكملات الغذائية في الصيدليات.. حماية صحية أم توسيع لاحتكار مهني؟
ينتظر أن يعرض المجلس الحكومي، يوم الخميس 16 يوليوز 2026، مشروع مرسوم يتعلق بتطبيق مقتضيات المادة 30 من القانون بمثابة مدونة الأدوية والصيدلة، في خطوة تستهدف تنظيم تداول المكملات الغذائية التي تتضمن، بحكم تركيبتها أو جرعاتها، تأثيرا دوائيا، وإخضاع جزء منها لمسار أكثر صرامة من المراقبة والاستشارة المهنية.
ويأتي المشروع بعد سنوات من مطالب هيئات الصيادلة بوقف بيع منتجات تحتوي على أعشاب أو مواد ذات تأثير صحي داخل محلات العطارة ومتاجر المنتجات الطبيعية والمنصات الرقمية، دون مراقبة كافية أو توجيه مهني.
لكن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بسلامة المستهلك، بل بطبيعة النموذج الذي يتجه إليه المغرب: هل ينسجم حصر بعض المكملات في الصيدليات مع ما هو معمول به أوروبيا، أم أنه يوسع الاحتكار الصيدلي إلى منتجات تعامل في أوروبا، في الأصل، باعتبارها أغذية؟
أوروبا لا تعتبر المكملات أدوية بصورة تلقائية
في الاتحاد الأوروبي، تخضع المكملات الغذائية أساسا للتوجيه الأوروبي رقم 2002/46، الذي يصنفها منتجات غذائية، وليس أدوية، متى سُوقت وقدمت بهذه الصفة. ويضع هذا الإطار قواعد تتعلق بالتركيب، والوسم، والجرعات الموصى بها، والتحذير من تجاوزها، ومنع تقديم المكمل باعتباره بديلا عن التغذية المتوازنة.
وبالتالي، لا تحتكر الصيدليات في أغلب الأنظمة الأوروبية بيع جميع المكملات الغذائية. إذ يمكن تسويق عدد واسع منها في المتاجر الكبرى، والمتاجر المتخصصة، وعبر الإنترنت، مع إخضاعها لقواعد سلامة الغذاء والإشهار والمراقبة.
كما تمنع القواعد الأوروبية تسويق المكمل الغذائي باعتباره قادرا على الوقاية من مرض أو علاجه أو الشفاء منه؛ فإذا حمل ادعاءات علاجية أو كان تأثيره الدوائي واضحا، فقد ينتقل إلى نظام قانوني أقرب إلى نظام الدواء.
من هذه الزاوية، فإن مجرد احتواء منتج على فيتامينات أو معادن أو نباتات لا يكفي أوروبيا لإلزام المستهلك بشرائه حصرا من الصيدلية.
أين يتقاطع المشروع المغربي مع التجربة الأوروبية؟
يتقاطع التوجه المغربي مع الأنظمة الأوروبية عندما يميز بين نوعين من المنتجات:
الأول، مكملات غذائية عادية تبقى خاضعة لمنظومة سلامة الأغذية ويمكن تداولها خارج الصيدليات، شريطة احترام قواعد التركيب والوسم والجرعات وعدم تقديم ادعاءات علاجية مضللة.
والثاني، منتجات تحتوي على مواد أو أعشاب أو جرعات تحدث تأثيرا دوائيا حقيقيا، أو تنطوي على تفاعلات وموانع استعمال ومخاطر صحية تستوجب الاستشارة والمتابعة.
ففي فرنسا مثلا، لا تخضع جميع المكملات للاحتكار الصيدلي، لكن بيع النباتات الطبية المدرجة في الدستور الدوائي الفرنسي محجوز، من حيث الأصل، للصيادلة، مع وجود قائمة استثناءات تسمح ببيع بعض النباتات خارج الصيدلية. كما تخضع المكملات التي تحتوي على النباتات لشروط استعمال وتحذيرات محددة.
لذلك، إذا اقتصر المرسوم المغربي على قائمة علمية دقيقة لمنتجات ذات تأثير دوائي مثبت أو مخاطر خاصة، فإن التوجه سيكون قريبا من المنطق الأوروبي القائم على التصنيف بحسب المخاطر، وليس بحسب اسم المنتج التجاري فقط.
أما إذا توسعت القائمة لتشمل معظم المكملات الغذائية، بما فيها المنتجات ذات الجرعات العادية والمخاطر المحدودة، فسيتحول النص إلى احتكار مهني أوسع من السائد في أوروبا.
لماذا يمكن أن يكون التنظيم إيجابيا؟
تبرز أهمية التنظيم في أن سوق المكملات لم يعد يقتصر على الفيتامينات البسيطة، بل أصبح يشمل تركيبات عشبية، ومنتجات للتنحيف، وزيادة الطاقة، والنوم، والخصوبة، والقدرة الجنسية، وبناء العضلات، وقد تحتوي بعضها على مواد ذات تأثيرات قوية أو تتفاعل مع الأدوية.
وتؤكد الهيئات الأوروبية المختصة أن استخدام النباتات في المكملات يحتاج إلى تحذيرات وقيود تراعي الجرعات، والحمل، والأمراض المزمنة، والتداخلات الدوائية والآثار الجانبية المحتملة. كما توجد في فرنسا آلية لليقظة الغذائية تسمح بالإبلاغ عن الآثار غير المرغوبة المرتبطة بالمكملات.
في المغرب، يزداد الخطر مع انتشار البيع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والعطارة، وبعض متاجر المنتجات الطبيعية، دون التأكد دائما من المصدر أو التركيب أو ظروف التخزين، ودون نظام فعال لتتبع الأعراض الجانبية.
ومن ثم، فإن إخضاع المنتجات الأعلى خطورة للصيدلية قد يوفر ثلاث ضمانات: مصدر معروف، وتخزين مراقب، واستشارة مهنية بشأن الجرعة والتداخل مع الأدوية.
في المقابل الصيدلية وحدها لا تضمن السلامة
المشكل أن تحويل البيع إلى الصيدليات لا يكفي بمفرده لبناء نظام آمن.
فالمكملات الغذائية تحتاج أولا إلى مراقبة دقيقة قبل عرضها في السوق، تشمل فحص التركيب، ونسب المواد الفعالة، والملوثات، والادعاءات الصحية، ومطابقة الملصق للمحتوى الحقيقي.
كما تحتاج إلى نظام يقظة يسمح للأطباء والصيادلة والمستهلكين بالإبلاغ عن الأعراض الجانبية، وقاعدة بيانات عمومية تتيح معرفة المنتجات المرخصة أو المصرح بها والتحذيرات المرتبطة بها.
أما نقل المنتج من متجر إلى صيدلية دون إصلاح المراقبة عند الاستيراد والتصنيع والإشهار، فقد يغير قناة البيع من دون أن يعالج أصل الخطر.
فأبرز تحد أمام المشروع هو تحديد المقصود بالمكمل الغذائي الذي يحدث «تأثيرا دوائيا».
فمعظم المكملات تحدث، بدرجة ما، أثرا فسيولوجيا داخل الجسم؛ الحديد يؤثر في تكوين الدم، والمغنيسيوم في الأعصاب والعضلات، والميلاتونين في النوم، وبعض المستخلصات النباتية في الضغط أو السكر.
إذا تركت العبارة فضفاضة، فقد تصبح مدخلا لإدراج منتجات كثيرة ضمن الاحتكار الصيدلي، بناء على ضغط مهني أكثر منه على تقييم علمي للمخاطر.
لذلك يفترض أن يحدد النص التنظيمي معايير موضوعية، من بينها طبيعة المادة، والجرعة، ومستوى السمية، والتداخلات الدوائية، والفئات الممنوعة من استعمالها، والحاجة إلى المتابعة المهنية.
كما يجب أن تكون قائمة المنتجات قابلة للمراجعة الدورية من طرف هيئة علمية مستقلة، لا أن تصبح لائحة مغلقة تخدم مصلحة مهنية واحدة.
من جهة أخرى قد يؤدي حصر فئة واسعة من المكملات في الصيدليات إلى تقليص نقاط البيع ورفع الأسعار، خصوصا إذا غابت قواعد واضحة للمنافسة والشفافية.
فحماية المستهلك لا تعني بالضرورة منحه قناة شراء واحدة. وفي الأنظمة الأوروبية، يسعى التنظيم إلى تحقيق توازن بين السلامة وحرية تداول المنتجات الغذائية داخل السوق الموحدة.
ولهذا، يجب ألا يتحول المرسوم إلى حماية لمداخيل الصيادلة تحت عنوان حماية الصحة. المعيار ينبغي أن يكون درجة الخطر، لا الوضعية الاقتصادية للمهنة.
فالمنتج الذي يمكن استهلاكه بأمان وفق جرعات واضحة وتحذيرات مضبوطة لا يوجد مبرر صحي كاف لحصره في الصيدليات، بينما المنتج ذو المخاطر المرتفعة يجب ألا يباع دون استشارة، سواء كان مربحا للصيادلة أم لا.
من يجب أن يراقب المكملات؟
تكشف القضية أيضا عن تداخل مؤسساتي بين الدواء والغذاء.
فالمكمل الغذائي يوجد، بطبيعته، في منطقة وسطى: هو منتج غذائي من حيث التصنيف، لكنه قد يحمل مواد ذات تأثير صحي قوي. ولهذا يحتاج المغرب إلى توزيع واضح للاختصاصات بين الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.
ويفترض أن تتولى جهة واحدة تنسيق الترخيص أو التصريح، وتقييم المخاطر، ومراقبة السوق، وسحب المنتجات غير المطابقة، مع نشر المعلومات للعموم.
أما استمرار ازدواجية الرقابة فقد يؤدي إلى فراغ تستفيد منه المنتجات غير القانونية؛ إذ قد تعتبرها جهة أغذية، بينما تراها جهة أخرى قريبة من الأدوية، دون أن تتحمل أي منهما كامل المسؤولية.
ما النموذج الأفضل للمغرب؟
الاختيار الأكثر توازنا ليس تحرير السوق بالكامل، ولا منح الصيادلة احتكارا شاملا.
الأقرب إلى الممارسة الأوروبية الرشيدة هو اعتماد تصنيف متدرج بحسب المخاطر:
- مكملات منخفضة المخاطر تباع في مختلف القنوات المرخصة، مع احترام شروط الوسم والإشهار والجودة.
- مكملات تحتاج إلى تحذيرات أو استشارة، ويسمح ببيعها في الصيدليات أو تحت رقابة مهنية محددة.
- منتجات ذات تأثير علاجي أو جرعات دوائية واضحة يعاد تصنيفها أدوية، فلا تسوق إلا بعد الترخيص الطبي اللازم.
هذا النموذج يحمي المستهلك من المنتجات الخطرة، من دون خلق احتكار غير مبرر حول المنتجات العادية.
في المحصلة، يشكل تنظيم المكملات ذات التأثير الدوائي خطوة إيجابية ومتأخرة، بالنظر إلى الفوضى التي يعرفها السوق وإلى المخاطر المرتبطة بالأعشاب والجرعات العالية والادعاءات العلاجية.
لكنه لا يصبح مطابقا للممارسة الأوروبية لمجرد وضع المنتجات في الصيدلية. فالمنطق الأوروبي يعامل المكملات، في الأصل، باعتبارها أغذية، ثم يشدد الرقابة على المواد والجرعات والمنتجات التي تنطوي على مخاطر خاصة.
وعليه، سيتوقف الحكم الحقيقي على المرسوم على تفاصيل القائمة التي سيحددها، والمعايير العلمية المعتمدة، وهوية الجهة التي ستقرر إدراج المنتجات، وضمان عدم استعمال حماية الصحة لتوسيع احتكار تجاري.
التعاليق