تكلفة العلاج في القطاع الخاص بالمغرب: تفاوتات مقلقة وغياب بروتوكولات ملزمة
كشف أحمد رضا الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عن معطيات مقلقة بشأن الفوارق الكبيرة في تكاليف العلاج بين القطاعين العام والخاص في المغرب. وأوضح الشامي، خلال مداخلة حديثة له، أن متوسط كلفة تحمل ملف صحي واحد في القطاع الخاص يمكن أن يفوق نظيره في القطاع العام بخمس مرات، مرجعًا هذا التفاوت إلى غياب بروتوكولات علاجية ملزمة.
وأشار الشامي إلى أن هذا الوضع ينعكس سلبًا على الاستدامة المالية لمنظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO)، ما يجعل الحاجة إلى إصلاحات جذرية في القطاع الصحي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
ترتبط الفوارق الكبيرة في تكاليف العلاج بين القطاعين العام والخاص بعدة عوامل متداخلة، أبرزها غياب بروتوكولات علاجية موحدة، حيث تفتقر المنظومة الصحية في المغرب إلى بروتوكولات علاجية ملزمة تحدد بشكل واضح مسارات العلاج والتدخلات الطبية الضرورية لكل حالة. في غياب هذه البروتوكولات، يصبح لكل مؤسسة صحية الحق في تحديد أساليب العلاج الخاصة بها، مما يؤدي إلى تضارب في الممارسات وارتفاع غير مبرر في التكاليف.
يضاف إلى ذلك تفاوت التعريفات الطبية بين القطاعين العام والخاص، حيث تظل الخدمات المقدمة في القطاع الخاص مرتفعة بشكل ملحوظ مقارنة بالخدمات العمومية. يمكن لفحص طبي بسيط أن يكلف في عيادة خاصة ثلاثة أضعاف ما يكلفه في مستشفى عمومي. ورغم وجود قوانين تنظيمية، إلا أن آليات مراقبة الأسعار والتكاليف تظل محدودة، مما يفتح المجال أمام بعض المصحات الخاصة لفرض أسعار مرتفعة دون مبرر طبي حقيقي.
تُظهر بعض الدراسات أن مصحات القطاع الخاص تستهدف بشكل أكبر المرضى المستفيدين من التغطية الصحية الإجبارية، حيث يُطلب منهم إجراء فحوصات إضافية أو علاجات غير ضرورية أحيانًا للاستفادة من تعويضات التأمين.
وأوضح الشامي أن هذه الفجوة الكبيرة في التكاليف تؤثر بشكل مباشر على استدامة الصناديق التي تمول التأمين الإجباري عن المرض. وتشير التقارير إلى أن صندوق “أمو-العمال غير الأجراء” يعاني من عجز بنسبة 172%، في حين يسجل “أمو-القطاع العام” عجزًا بنسبة 121%. وبحسب معطيات حديثة، فإن 50% من المصاريف الصحية يتحملها المواطن المغربي من ماله الخاص، وهي نسبة تفوق بكثير النسبة التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، والمحددة في 25%.
ومن أبرز المشاكل التي تواجه المرضى عند التعامل مع القطاع الخاص، غياب الوضوح في الفوترة. فكثير من المصحات لا تقدم تفاصيل واضحة عن الخدمات المقدمة، بل تعمد إلى إدراج رسوم عامة دون تفصيلها، ما يجعل عملية المراقبة والمحاسبة أكثر تعقيدًا. وتتجلى هذه المشكلة بشكل خاص في العمليات الجراحية، حيث تختلف أسعار التدخلات بشكل لافت بين المصحات دون وجود مبررات واضحة. تكلفة عملية جراحية بسيطة في مصحة خاصة يمكن أن تفوق تكلفة نفس العملية في مستشفى عمومي بخمس إلى ست مرات.
تؤدي هذه الفجوة في التكاليف إلى عدة آثار سلبية على المجتمع والاقتصاد الوطني، من بينها إرهاق الأسر المغربية ماليًا، إذ تضطر العديد من الأسر إلى اللجوء إلى القروض أو بيع ممتلكاتها لتغطية مصاريف العلاج في المصحات الخاصة، وتراجع الثقة في منظومة التأمين الصحي، حيث يشعر العديد من المواطنين بعدم جدوى الانخراط في نظام التأمين الصحي إذا كانوا سيستمرون في دفع مبالغ كبيرة من مالهم الخاص. كما يؤدي تضخم الفواتير الطبية إلى استنزاف سريع لصناديق التأمين، ما يهدد قدرتها على الاستمرار في تقديم خدماتها.
للخروج من هذا الوضع المقلق، قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عدة مقترحات إصلاحية، منها وضع بروتوكولات علاجية ملزمة لجميع المهنيين الصحيين، تحدد بوضوح المسارات العلاجية المعتمدة لكل مرض، وتعزيز الرقابة على المصحات الخاصة لتأكيد احترام التعريفات المحددة ومنع أي ممارسات غير قانونية.
كما أوصى المجلس بإعادة النظر في التعريفات الطبية، إذ ينبغي مراجعة التعريفات المعتمدة في القطاع الخاص بشكل دوري لضمان ملاءمتها للقدرة الشرائية للمواطنين، وإلزام المصحات الخاصة بتقديم فواتير مفصلة توضح جميع الخدمات المقدمة بشكل واضح، بالإضافة إلى إدماج العاملين في القطاع غير المهيكل في منظومة التأمين الصحي لزيادة المداخيل وتحسين استدامة الصناديق.
يرى المتابعون أن التحديات التي تواجه المنظومة الصحية في المغرب ليست مستعصية على الحل، لكنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية وتعاونًا بين جميع الفاعلين في القطاع الصحي، سواء العمومي أو الخاص. وبينما تسعى الحكومة إلى تعميم التغطية الصحية الشاملة في أفق 2025، تظل مسألة ضبط التكاليف وتحقيق العدالة في الخدمات الصحية من أبرز الأولويات التي ينبغي العمل عليها لضمان وصول جميع المغاربة إلى خدمات صحية ذات جودة وبأسعار معقولة.
التعاليق