إفادة
إفادة
الخميس 01 أكتوبر - 04:34

تغير خطاب الأحزاب قبل وبعد الانتخابات

لم يحتج المشهد الحزبي المغربي أكثر من أسبوع واحد لينتقل من لغة الحملة الانتخابية الصاخبة إلى قاموس سياسي مختلف تماماً فرضته مشاورات تشكيل الحكومة.

فالأحزاب التي دخلت انتخابات 23 شتنبر وهي تتبادل الانتقادات، وتحمل بعضها بعضاً مسؤولية الاختلالات، وتتنافس على تقديم نفسها باعتبارها البديل القادر على «تغيير المسار»، عادت بعد ظهور النتائج إلى طاولة واحدة، حيث اختفت تدريجياً مفردات المواجهة لتحل محلها عبارات من قبيل «المصلحة العليا للوطن» و«التقارب البرنامجي» و«المرحلة الجديدة» و«القطيعة الإيجابية».
والتحول لا يعني بالضرورة تغير المواقف السياسية الجوهرية لهذه الأحزاب، لكنه يكشف الفرق التقليدي بين لغة الانتخابات، التي تقوم على إبراز الاختلاف، ولغة تشكيل الحكومات، التي تبحث عن المشترك الضروري لبناء الأغلبية.

الأحرار والبام.. من أشد المتنافسين إلى أول الجالسين إلى الطاولة

كان التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة أكثر مكونات الأغلبية السابقة صداماً خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات.
ورغم أنهما قضيا خمس سنوات داخل الحكومة نفسها، فإن اقتراب موعد الاقتراع حوّل الشريكين إلى منافسين مباشرين على قيادة المرحلة المقبلة، وخرجت الخلافات بينهما إلى العلن، سواء حول الحصيلة أو استقطاب المرشحين أو المسؤولية عن الاختلالات التي طبعت الولاية السابقة. وقد رصدت التغطيات الانتخابية أن التراشق داخل الأغلبية السابقة تركز أساساً بين الحزبين، بينما اختار الاستقلال مسافة أقل صدامية.
ومن أبرز نماذج ذلك خروج القيادي التجمعي راشيد الطالبي العلمي، قبل الانتخابات، لمهاجمة شعار «تغيير المسار» الذي رفعه الأصالة والمعاصرة، مدافعاً في المقابل عن حصيلة حزبه الحكومية، وموجهاً انتقادات مباشرة إلى الخطاب الذي بنى عليه «البام» جزءاً من حملته.

لكن بعد ظهور النتائج تغيرت اللغة.

فأول حزب اختارت فاطمة الزهراء المنصوري استقباله في مشاورات تشكيل الحكومة كان التجمع الوطني للأحرار نفسه.
وخرج محمد شوكي، رئيس «الأحرار»، من اللقاء متحدثاً عن اجتماع اتسم بـ«الوضوح والصراحة»، وعن تعامل حزبه مع المرحلة المقبلة بمنطق المسؤولية واستحضار «المصلحة العليا للوطن».
وهكذا انتقل الطرفان في ظرف أيام من منافسة انتخابية حادة حول من يتحمل مسؤولية الماضي ومن يستحق قيادة المستقبل، إلى البحث عن إمكانية الاشتغال معاً داخل أغلبية واحدة.

الحركة الشعبية.. من نقد الأغلبية إلى «قناعة مشتركة» مع البام

محمد أوزين يقدم ربما الصورة الأكثر وضوحاً لهذا التحول في اللغة.
فالحركة الشعبية خاضت الانتخابات من موقع المعارضة، وكان خطاب أمينها العام تجاه تجربة الأغلبية السابقة نقدياً، كما دخل الحزب المنافسة وهو يقدم نفسه بديلاً عن السياسات التي طبعت الولاية المنتهية.
لكن أوزين خرج يوم 30 شتنبر من لقائه بفاطمة الزهراء المنصوري بقاموس مختلف.
فبدلاً من التركيز على الاختلافات مع الأصالة والمعاصرة، أعلن أن الحزبين توصلا إلى «قناعة واحدة» بشأن ضرورة إحداث «قطيعة إيجابية مع المرحلة السابقة»، والذهاب نحو مرحلة جديدة ببرنامج جديد وعزيمة جديدة.
وتحول الحديث من محاسبة الأغلبية إلى البحث عن أرضية مشتركة حول الشباب والتنمية الترابية والتحديات التي تواجه المغرب.
وبذلك أصبحت الحركة الشعبية، التي كانت قبل أيام تخاطب الناخب من موقع المعارضة، تناقش بعد الانتخابات مع الحزب المتصدر إمكانية بناء تصور مشترك للمرحلة المقبلة.

الاستقلال.. الحزب الذي أبقى جسوره مفتوحة

حزب الاستقلال يمثل حالة مختلفة نسبياً، فخلال الحملة، اختار الحزب الابتعاد عن مستوى الصدام الذي طبع العلاقة بين «الأحرار» و«البام».
وتشير قراءة التغطية الانتخابية إلى أن الاستقلال حافظ على ما يمكن وصفه بـ«المسافة الآمنة»: التمايز عن شريكيه، وانتقاد ما يحتاج إلى الانتقاد، دون الوصول إلى مستوى التراشق الذي يمكن أن يجعل العودة إلى التحالف بعد الانتخابات أكثر صعوبة.

وبعد الانتخابات ظهرت فائدة هذه الوضعية، جلس نزار بركة مع فاطمة الزهراء المنصوري دون حاجة إلى تجاوز إرث مواجهة انتخابية كبيرة بين الحزبين.
لذلك يبدو التحول في خطاب الاستقلال أقل حدة من غيره: الحزب لم يحرق جسوره قبل الانتخابات، ولم يحتج بعد الانتخابات إلى إعادة بنائها.

الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.. من نقد الحكومة إلى مائدة التفاوض

الأمر نفسه، بدرجات متفاوتة، ينطبق على أحزاب أخرى كانت خارج الأغلبية السابقة. فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية خاضا الانتخابات من خارج الحكومة وانتقدا جوانب متعددة من حصيلتها، لكنهما حضرا بدورهما يوم 30 شتنبر إلى مقر الأصالة والمعاصرة للقاء رئيسة الحكومة المكلفة.
ففي اليوم الأول وحده، شملت مشاورات المنصوري التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

وهنا أيضاً انتقل النقاش من سؤال «ماذا فعلت الحكومة؟» الذي هيمن على الحملة، إلى سؤال مختلف تماماً: ما الذي يمكن الاتفاق عليه في الحكومة المقبلة؟

العدالة والتنمية.. الاستثناء حتى الآن

وسط هذا التغيير الجماعي في النبرة، يبدو حزب العدالة والتنمية حالة مختلفة. فالحزب الذي خاض الانتخابات بخطاب معارض للأغلبية السابقة لم ينتقل، حتى الآن، إلى لغة البحث عن موقع داخل حكومة المنصوري.
فقد جدد عبد الإله بنكيران توجه الحزب نحو المعارضة، كما برز خلاف حول مكان إجراء اللقاء مع رئيسة الحكومة المكلفة، بعدما رفض الانتقال إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة لعقده.
وبذلك حافظ البيجيدي، على الأقل خلال الساعات الأولى للمشاورات، على قدر أكبر من الاستمرارية بين خطابه الانتخابي وموقعه المعلن بعد ظهور النتائج.

الانتخابات تبرز الاختلاف.. والحكومة تبحث عن المشترك

ما حدث خلال الأيام القليلة التي فصلت صناديق الاقتراع عن مشاورات تشكيل الحكومة يقدم نموذجاً واضحاً لطبيعة الخطاب الحزبي في مرحلتين مختلفتين.
قبل 23 شتنبر، كان المطلوب من كل حزب إقناع الناخب بأنه مختلف عن منافسيه.
ولذلك ارتفعت حدة النقد، واستُحضرت الحصيلة، وتبادل الفرقاء المسؤولية، وبرزت عبارات «التغيير» و«البديل» و«فشل التدبير» وضرورة تصحيح المسار.
أما بعد 23 شتنبر، بدأت المفردات تتغير بدورها: «المصلحة الوطنية»، «التوافق»، «المشترك»، «البرنامج»، «المرحلة الجديدة»، و«المشاورات».
حتى البرامج نفسها تكشف أن المسافة بين الأحزاب في عدد من الملفات أقل مما توحي به حدة الخطاب الانتخابي؛ إذ تقاطعت برامج أبرز المتنافسين حول التشغيل والقدرة الشرائية والصحة والتعليم والسكن والتنمية المجالية، مع اختلاف أكبر في الأدوات المقترحة لتحقيق هذه الأهداف.

ويبقى السؤال السياسي الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة هو: أي جزء من الخلافات التي سمعها المغاربة خلال الحملة كان اختلافاً سياسياً يصعب تجاوزه، وأي جزء منها كان مجرد لغة انتخابية انتهت صلاحيتها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع؟

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق