تصريحات وهبي تفجر سجالا مع مدريد.. وتتسبب في توثر العلاقات المغربية الإسبانية
أدخلت تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي العلاقات المغربية الإسبانية في موجة جديدة من السجال السياسي، بعدما جمع في مواقفه الأخيرة بين تجديد مطالبة المغرب باستعادة سبتة ومليلية، وانتقاد طريقة تعامل إسبانيا مع بعض الملفات القضائية، والتلويح بإمكانية تعليق اتفاقية تسليم المطلوبين بين البلدين؛ وهو ما استدعى ردودا متلاحقة من مسؤولين إسبان خلال الساعات الماضية.
وتأتي تصريحات وهبي في ظرف بالغ الحساسية، بعد أزمة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز، وما خلفته من نقاش سياسي وأمني واسع داخل إسبانيا حول مستقبل التعاون مع المغرب في قضايا الهجرة والحدود وإعادة المهاجرين والقاصرين.
وكان وهبي قد أكد، في مقابلة مع “الشرق بلومبرغ”، أن المغرب لم يتخل عن مطالبته باستعادة سبتة ومليلية، وأن هذا الملف يُطرح، بحسب قوله، في المباحثات مع الجانب الإسباني، مشددا على تمسك المملكة بما تعتبره أراضيها وعلى اعتماد الحوار و”النفس الطويل” في معالجة القضية.
وسرعان ما انتقلت تصريحات وزير العدل من النقاش الإعلامي إلى مستوى الرد الحكومي الإسباني. فقد أكد مسؤولون في مدريد أن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية ليست موضوعا قابلا للنقاش، في رد مباشر على تصريحات المسؤول المغربي.
وذهبت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس إلى أبعد من ذلك خلال وجودها في سبتة، إذ شددت على أن المدينتين جزء من إسبانيا، معتبرة أن أي اعتداء عليهما سيكون اعتداء على إسبانيا برمتها.
كما دخل رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، على خط السجال، رافضا تصريحات وهبي ومعتبرا أنها “لا أساس لها”، ومؤكدا تمسكه بإسبانية المدينة، ومشددا على وجود إجماع سياسي ومؤسساتي إسباني حول وضعها.
اتفاقية تسليم المطلوبين تزيد سخونة الأزمة
لكن تصريحات وهبي لم تتوقف عند ملف السيادة. فقد كشف وزير العدل أن المغرب يدرس إمكانية تعليق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، على خلفية ما يعتبره مشاكل في استجابة مدريد لطلبات تسليم أشخاص مطلوبين أمام القضاء المغربي.
وهذا الجزء من تصريحات الوزير رفع مستوى التفاعل في مدريد، بالنظر إلى أن التعاون القضائي والأمني يشكل واحدا من أعمدة العلاقة بين البلدين، إلى جانب مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا سارع، يوم الخميس، إلى التقليل من احتمال وصول الخلاف إلى هذه المرحلة، مستبعدا أن يقدم المغرب فعليا على تعليق التعاون في مجال تسليم المطلوبين.
وأكد مارلاسكا أن التعاون القضائي والأمني بين المغرب وإسبانيا “استثنائي”، معربا عن ثقته في استمراره، ومقللا بذلك من التداعيات العملية المحتملة لتصريحات وهبي.
تصريحات تتجاوز وهبي إلى السياسة الداخلية الإسبانية
السجال أخذ أيضا بعدا داخليا في إسبانيا. فقد اعتبرت قوى سياسية إسبانية أن المغرب “يرفع سقف” الأزمة المتعلقة بسبتة، وربطت بين التصريحات المغربية الأخيرة وبين الضغط الذي تتعرض له الحكومة الإسبانية بعد أحداث نهاية يوليوز.
ويضع ذلك حكومة بيدرو سانشيز أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على مستوى مرتفع من التعاون مع الرباط، خصوصا في الهجرة والأمن، وفي الوقت نفسه مواجهة ضغوط داخلية تطالبها بإظهار موقف أكثر صرامة كلما تعلق الأمر بسبتة ومليلية.
في المقابل، حاول مارلاسكا الفصل بين المواقف المتعلقة بالسيادة وبين واقع التعاون الثنائي، معتبرا أن تصريحات وهبي بشأن سبتة ومليلية ليس لها “أي تأثير” على العلاقات العملية بين البلدين.
لماذا أحدثت تصريحات وهبي كل هذا التفاعل؟
تكمن حساسية تصريحات وزير العدل في أنها جاءت في توقيت مختلف عن السياق العادي للعلاقات المغربية الإسبانية.
فالرباط ومدريد نجحتا خلال السنوات الأخيرة في بناء علاقة أكثر استقرارا بعد أزمة 2021، وأصبح التعاون الأمني والهجرة والاستثمار والتجارة من الملفات الرئيسية في الأجندة الثنائية.
غير أن أزمة سبتة الأخيرة أعادت ملف المدينتين إلى قلب النقاش الإسباني، قبل أن تأتي تصريحات وهبي لتربط مجددا بين ثلاث قضايا شديدة الحساسية: السيادة على سبتة ومليلية، والهجرة والقاصرين، والتعاون القضائي في تسليم المطلوبين.
واللافت أن الحكومة الإسبانية، رغم ردها الحازم على الشق المتعلق بالسيادة، حرصت حتى الآن على عدم تحويل تصريحات وهبي إلى أزمة دبلوماسية شاملة، وهو ما يظهر خصوصا في تصريحات وزير الداخلية الإسباني الذي تمسك باستمرار التعاون مع المغرب.
وبذلك يبدو أن تصريحات وزير العدل خلقت أزمة خطاب سياسي أكثر منها قطيعة بين الحكومتين حتى الآن؛ إذ رفعت منسوب التوتر وأعادت سبتة ومليلية إلى واجهة العلاقات الثنائية، لكنها لم تصل إلى حد المساس بالتعاون الأمني والقضائي القائم.
التعاليق