تسريبات بوعشرين… وتسرُّب الصحافة
في المغرب، يبدو أن كل شيء ممكن، خصوصًا والبلاد تستعد لاحتضان مونديال 2030؛ حتى أن يتحول حصول صحفي على معلومة إلى تهمة، وأن يصبح الوصول إلى ما يدور خلف الأبواب المغلقة سلوكًا يستدعي التحقيق والاستنكار.
فإذا كان تكميم الأفواه غاية، فلا توجد وسيلة أكثر فاعلية من جعل أصحاب المهنة الواحدة يتناطحون فيما بينهم؛ صحفي يطارد صحفيًا، ومنبر يحاكم منبرًا، وغرفة تحرير تتحول من مراقبة السلطة إلى مراقبة المصادر ومطاردة من يتحدث إليها.
إنها وصفة مثالية لإضعاف الصحافة من الداخل، من دون الحاجة إلى إغلاق صحيفة أو مصادرة عدد أو قطع بث. يكفي أن يُقنع الصحفيون أنفسهم بأن خصمهم الحقيقي ليس من يحجب المعلومة، بل زميلهم الذي سبقهم إليها.
ولأن لكل عصر تسريباته، لم يعد الأمر مقتصرًا على معلومات مسرَّبة، بل أصبحنا أمام صحفيين تسرّبوا إلى المهنة من مكان ما، أو عبر ثقب ما، لا يحملون من الصحافة إلا الصفة، بينما يتكفلون بهدم أبسط قواعدها باسم الدفاع عن المهنية.
أن يهاجم منبر إعلامي صحفيًا لأنه حصل على معلومة، فهذه ليست مجرد سقطة تحريرية؛ إنها إعلان صريح عن سوء فهم وظيفة الصحافة.
فالصحافة لم تُبنَ على انتظار البلاغات الرسمية، ولم تصنع تاريخها بإعادة تدوير ما تسمح الجهات النافذة بنشره. الصحافة وُجدت تحديدًا للوصول إلى ما يُحجب، والتحقق مما يُسرَّب، وكشف ما يعتقد أصحاب السلطة والنفوذ أن من الأفضل أن يظل بعيدًا عن الجمهور.
قد أختلف مع توفيق بوعشرين في كثير من آرائه ومواقفه، بل وحتى في بعض سلوكياته. وقد يستمر هذا الاختلاف طويلًا. لكن الاختلاف مع شخص شيء، والانقلاب على قواعد المهنة من أجل تصفية الحساب معه شيء آخر تمامًا.
حين يتحول امتلاك مصدر إلى تهمة، ويصبح التسريب فضيحة في حق الصحفي بدل أن يكون مادة تستوجب التحقق والتدقيق، فإننا لا نكون بصدد خلاف مع توفيق بوعشرين، بل بصدد خلاف مع الصحافة نفسها، ومع حقها في البحث والوصول والنشر.
المقال الذي هاجمه لم يطرح السؤال البديهي: هل المعلومات التي قدمها صحيحة أم خاطئة؟
بل: من سرّب؟
وكأن الصحفي لم يعد مطالبًا بكشف المعلومة، بل بحراستها إلى جانب من يريدون إخفاءها.
الأكثر طرافة أن المقال يعترف بأنه لا يملك دليلًا ضد نبيل بنعبد الله، ثم يقضي فقراته في معاملته كمتهم. يبني الشبهة على علاقة معروفة، ويحوّل المعرفة الشخصية إلى قرينة، ثم يجعل الصمت دليلًا إضافيًا. أي إن المتهم مطالب بإثبات براءته من واقعة لم يستطع صاحب الاتهام إثباتها أصلًا.
إنها صحافة من نوع جديد: بدون دليل، وبدون تحقق أستطيع ان الصق بك تهمة. يكفي أن توجد صداقة، وأن يلتزم شخص الصمت، ثم تتكفل علامات الاستفهام بالباقي.
حتى ريتشارد نيكسون، الذي تعامل مع الصحافة باعتبارها عدوًا، كان رئيسًا محاصرًا بالفضائح، لا صحفيًا يفترض فيه أن يعرف أن المصادر والتسريبات جزء من صميم العمل الإعلامي.
أما أن يتبنى صحفي منطق السلطة في مطاردة المصادر، فذلك أكثر إثارة للشفقة من أن يكون مثيرًا للغضب. فالسلطة حين تنزعج من التسريب تتصرف وفق طبيعتها، لكن أن ينزعج منه الصحفي، فهذه أزمة هوية مهنية تستدعي أكثر من دورة تكوينية.
الخطر الحقيقي، إذن، ليس في التسريبات.
الخطر أن يصبح بيننا من يرتدي صفة الصحفي، لكنه يؤدي عمليًا وظيفة الرقيب؛ يلاحق زملاءه بدل أن يلاحق الحقيقة، ويطارد المصادر بدل أن يحميها، وينتظر البلاغ الرسمي بدل أن يبحث عما أخفاه البلاغ.
عندها لن تحتاج الصحافة إلى عدو خارجي.
سيكون داخلها ما يكفي من المتطوعين لهدمها.
التعاليق