ترمب يلوح بقطع التجارة مع إسبانيا.. هل ينفذ تهديده ؟
صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لهجته تجاه إسبانيا، بعدما أعلن أنه أصدر تعليماته إلى وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ”قطع جميع العلاقات التجارية” مع مدريد، واصفا إياها بأنها “شريك سيئ” داخل حلف شمال الأطلسي، في أحدث فصول الخلاف المتصاعد بين واشنطن والحكومة الإسبانية بقيادة بيدرو سانشيز.
وجاءت تصريحات ترمب على هامش قمة حلف الناتو المنعقدة في أنقرة، حيث ربط موقفه برفض إسبانيا الانخراط في بعض التوجهات الأمريكية داخل الحلف، سواء فيما يتعلق برفع الإنفاق العسكري أو بالمواقف المرتبطة بالحرب مع إيران، إلى جانب انتقاداته السابقة لموقف مدريد بشأن استخدام القواعد العسكرية الإسبانية.
أزمة تتجاوز التجارة
ورغم أن التصريحات ركزت على التجارة، فإن جوهر الخلاف يبدو سياسيا وأمنيا أكثر منه اقتصاديا.
فالإدارة الأمريكية تعتبر أن إسبانيا لا تتحمل نصيبها من الأعباء الدفاعية داخل الناتو، كما تعارض مدريد بعض الخيارات العسكرية الأمريكية، وهو ما دفع ترمب إلى استخدام ورقة التجارة كوسيلة ضغط سياسي.
ويعد هذا ثاني تهديد من نوعه يوجهه ترمب لإسبانيا خلال أشهر، إذ سبق أن أعلن في مارس الماضي عزمه وقف المبادلات التجارية معها، غير أن التجارة بين البلدين استمرت بشكل طبيعي دون اتخاذ إجراءات تنفيذية.
هل يستطيع ترمب تنفيذ قراره؟
رغم حدة التصريحات، فإن تنفيذ قرار بوقف التجارة مع إسبانيا ليس مسألة بسيطة من الناحية القانونية.
فإسبانيا ليست طرفا منفردا في العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، وإنما عضو في الاتحاد الأوروبي، الذي يتولى حصريا التفاوض وإدارة السياسة التجارية الخارجية باسم جميع الدول الأعضاء.
كما يرى خبراء القانون الأمريكي أن فرض حظر تجاري شامل يتطلب إعلان حالة طوارئ وطنية استنادا إلى قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، وهو مسار قانوني قد يكون من الصعب تبريره في نزاع مرتبط بالإنفاق الدفاعي داخل الناتو، وقد يواجه طعونا قضائية وسياسية.
وفي المقابل، يملك الرئيس الأمريكي أدوات أقل حدة، مثل فرض رسوم جمركية إضافية أو اتخاذ تدابير تجارية محددة ضد بعض المنتجات، وهي أدوات سبق أن استخدمتها واشنطن في ملفات تجارية مع عدد من الدول الأوروبية.
من يخسر أكثر؟
المفارقة أن الولايات المتحدة تحقق فائضا تجاريا مع إسبانيا، إذ بلغت صادراتها إليها نحو 26.6 مليار دولار خلال العام الماضي، مقابل واردات أقل، ما يعني أن أي تعطيل واسع للتجارة لن ينعكس على الاقتصاد الإسباني وحده، بل سيمس أيضا الشركات والمصدرين الأمريكيين.
في المقابل، تبقى إسبانيا أقل اعتمادا على السوق الأمريكية مقارنة بعدد من الاقتصادات الأوروبية، إذ لا تمثل صادراتها إلى الولايات المتحدة سوى نسبة محدودة من ناتجها الداخلي، بينما تتم عبر إطار الاتحاد الأوروبي الذي يوفر لها مظلة تفاوضية جماعية.
رد مدريد
الحكومة الإسبانية تعاملت مع تصريحات ترمب بهدوء، مؤكدة أن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية مع الولايات المتحدة تظل قوية، وأن السياسة التجارية تدار على مستوى الاتحاد الأوروبي، وليس عبر اتفاقات ثنائية منفردة بين واشنطن ومدريد.
كما شددت مدريد على استمرار التعاون العسكري داخل الناتو، رغم الخلافات السياسية القائمة مع الإدارة الأمريكية.
وتأتي هذه الأزمة في توقيت حساس بالنسبة للحلف الأطلسي، الذي يسعى إلى الحفاظ على تماسكه في ظل الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط.
التعاليق