بين حزب العمال الكردستاني وجبهة البوليساريو: دروس الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء
في خطوة غير مسبوقة، دعا زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، المعتقل منذ 25 سنة، إلى إلقاء السلاح وحل الحزب، وهو تطور يضع الأكراد أمام مسؤولية تاريخية للانخراط في مسار سياسي بديل عن المواجهة المسلحة. هذه الدعوة، التي تستوجب تفاعلا إيجابيا من الدولة التركية والمجتمع الدولي، وتفتح الباب أمام تسوية سلمية تضمن حقوق الأكراد في إطار الدولة التركية.
فهل يمكن لجبهة البوليساريو أن تسلك المسار نفسه، بعد سلسلة الانتكاسات الدبلوماسية والعسكرية التي تعرضت لها؟
فقد شكلت سنة 2020 نقطة تحول كبرى في ملف الصحراء المغربية، حين اعترفت الولايات المتحدة، خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، معتبرة أن مقترح الحكم الذاتي المغربي هو “الأساس الوحيد لحل عادل ودائم” للنزاع.
هذا الاعتراف، الصادر عن أكبر قوة سياسية وعسكرية واقتصادية في العالم، شكل ضربة موجعة لجبهة البوليساريو وداعميها.
وفي سنة 2022، جاء التحول الإسباني ليعزز هذا التوجه، حيث أعلنت مدريد لأول مرة دعمها الصريح للموقف المغربي، مؤكدة أن الحكم الذاتي هو الحل الأكثر واقعية لإنهاء النزاع، هذا الاعتراف ساهم في إعادة الدفء إلى العلاقات المغربية الإسبانية، بعد أزمة دبلوماسية فجرتها استضافة إسبانيا لزعيم البوليساريو، إبراهيم غالي، بوثائق مزورة.
بعد ذلك، أكدت ألمانيا دعمها لمقترح الحكم الذاتي، معتبرة أنه “مبادرة جادة وذات مصداقية”، ثم تلاها الموقف الفرنسي الحاسم سنة 2024، حينما صرح الرئيس إيمانويل ماكرون بأن “مستقبل الصحراء المغربية لا يمكن أن يكون إلا تحت السيادة المغربية”، مشيرًا إلى استعداد فرنسا للاستثمار في هذه الأقاليم.
فعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، أصبحت الكفة تميل بشكل واضح لصالح المغرب، حيث تدعم 19 دولة على الأقل مغربية الصحراء أو مقترح الحكم الذاتي، أما على مستوى أمريكا اللاتينية، فقد تراجع عدد الدول التي تعترف بالبوليساريو إلى قلة معدودة، أبرزها المكسيك، وبليز، والأوروغواي، وفنزويلا، وكوبا، ونيكاراغوا، وبوليفيا.
ولم يقتصر الاعتراف بمغربية الصحراء على الدول الغربية الكبرى، بل حظي المغرب بدعم قوي من دول الخليج، حيث افتتحت الإمارات والبحرين قنصليات في العيون والداخلة، تأكيدا على موقفهما الثابت من القضية، كما أن أغلب دول الاتحاد الإفريقي باتت تدعم المغرب في هذا الملف، بعدما فقدت جبهة البوليساريو الكثير من الحلفاء التقليديين داخل القارة.
ومنذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي، تقلص عدد الدول الإفريقية التي تعترف بالبوليساريو إلى الثلث، حيث لم يتبق سوى عدد محدود من الدول، أبرزها الجزائر، وموريتانيا، ومالي، وجنوب إفريقيا، وأنغولا، وإثيوبيا، وبوتسوانا، وكينيا، والموزمبيق، ورواندا، ونيجيريا، وتنزانيا، وأوغندا، وزيمبابوي.
إن قرار حزب العمال الكردستاني بالتخلي عن العمل المسلح والانخراط في حل سياسي يعكس مسارا انتهجته العديد من الحركات الانفصالية حول العالم بعد عقود من الفشل العسكري والدبلوماسي، وإذا كان الأكراد قد قرروا الدخول في مفاوضات مع الدولة التركية، فإن جبهة البوليساريو تجد نفسها اليوم أمام خيار مماثل: إما القبول بمقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، أو الاستمرار في العزلة الدولية وتقلص قاعدة داعميها.
إن الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء لم تأت من فراغ، بل كانت نتيجة لتحولات جيوسياسية ودبلوماسية قادها المغرب بحنكة، سواء عبر شراكاته الاقتصادية أو سياسته الخارجية المتزنة.
واليوم باتت جبهة البوليساريو في موقف حرج، بعد أن فقدت أوراقها أمام الإجماع الدولي المتنامي لصالح المغرب، فهل تستخلص الدروس كما فعل حزب العمال الكردستاني، أم تواصل الرهان على خيار أثبت فشله؟
التعاليق