إفادة
إفادة
الأحد 20 سبتمبر - 03:46

بنك المغرب ينظر الثلاثاء في سعر الفائدة لمواجهة توقعات التضخم

تعود مخاطر التضخم المستورد إلى واجهة النقاش النقدي في المغرب قبل أيام من الاجتماع الثالث لمجلس بنك المغرب برسم سنة 2026، في وقت تهز فيه اضطرابات أسواق الطاقة الدولية حالة الاطمئنان التي صاحبت تراجع التضخم الداخلي، وتعيد طرح سؤال كان يبدو مستبعدا قبل أشهر: هل يمكن أن يجد بنك المغرب نفسه مضطرا إلى العودة إلى رفع سعر الفائدة؟

ومن المرتقب أن يجتمع مجلس بنك المغرب، الثلاثاء 22 شتنبر، للحسم في سعر الفائدة الرئيسي، المستقر حاليا عند 2,25 في المائة، وسط توقعات قوية بالإبقاء عليه دون تغيير خلال هذا الاجتماع. وأظهر استطلاع لـ”أتيجاري غلوبال ريسيرش” شمل 35 مستثمرا ماليا أن 93 في المائة من التوقعات ترجح التثبيت، مقابل 7 في المائة فقط تتوقع زيادة بـ25 نقطة أساس. كما أظهر استطلاع آخر لـ”بي إم سي إي كابيتال غلوبال ريسيرش” إجماعا بين المستثمرين المؤسساتيين الذين شملهم على سيناريو التثبيت.

لكن الإجماع على قرار الثلاثاء لا يعني أن اتجاه السياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة أصبح محسوما، فالمعادلة التي يواجهها بنك المغرب تغيرت نسبيا خلال الأسابيع الأخيرة.
داخليا، تشير أحدث بيانات المندوبية السامية للتخطيط المتاحة إلى تراجع مؤشر أسعار الاستهلاك خلال يوليوز بـ0,6 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية، فيما انخفض التضخم الأساسي بـ0,1 في المائة على أساس سنوي، وهي مستويات تمنح البنك المركزي هامشا للإبقاء على السياسة النقدية الحالية.

وخلال الشهر نفسه، ساهم تراجع أسعار المحروقات بـ4,9 في المائة في انخفاض مؤشر الأسعار، لكن هذا العامل نفسه أصبح اليوم أحد أهم مصادر عدم اليقين، بعد التحول الحاد الذي شهدته أسواق النفط الدولية منذ ذلك الحين.
وبالنسبة إلى المغرب، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة، فإن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة يمكن أن ينتقل تدريجيا إلى تكلفة النقل والإنتاج واستيراد السلع، ثم إلى أسعار المستهلك، بما يعيد التضخم المستورد إلى قلب حسابات السياسة النقدية.

وهنا يظهر الفارق بين صدمة نفطية مؤقتة وصدمة أكثر استدامة، فبنك المغرب لا يرفع سعر الفائدة عادة لمجرد ارتفاع مؤقت في أسعار النفط، خصوصا أن رفع الفائدة لا يستطيع زيادة إنتاج النفط أو خفض سعره في الأسواق الدولية. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل الزيادة في الطاقة إلى بقية الأسعار، وتؤثر في توقعات الأسر والمقاولات وفي الأجور وتكاليف الإنتاج، فتتحول صدمة خارجية إلى تضخم داخلي أكثر انتشارا واستمرارا.
وهذه تحديدا هي النقطة التي ستحدد ما إذا كان النقاش بشأن رفع الفائدة سيظل مجرد سيناريو احتياطي أم يتحول إلى خيار فعلي.
وتظهر التجربة الحالية للبنوك المركزية الكبرى أن ارتفاع أسعار الطاقة أعاد هذا السؤال إلى الواجهة دوليا. فاضطرابات النفط رفعت مجددا رهانات الأسواق على تشديد السياسة النقدية في عدد من الاقتصادات، وإن كان مسؤولو بنوك مركزية يشددون على أن أسعار الطاقة وحدها لا تكفي لاتخاذ قرار بالرفع، وأن الأهم هو معرفة ما إذا كانت آثارها ستنتشر إلى التضخم الأساسي وباقي مكونات الأسعار.
وحتى الآن، لا تعطي المؤشرات الداخلية بنك المغرب سببا واضحا للتحرك الفوري نحو التشديد.
فالتضخم المسجل في يوليوز منخفض، والتضخم الأساسي شبه مستقر، بينما ما تزال آثار التخفيضات السابقة في سعر الفائدة تنتقل تدريجيا إلى تكلفة الاقتراض. وكان بنك المغرب قد خفض سعره الرئيسي إلى 2,25 في المائة في مارس 2025، قبل أن يبقيه دون تغيير في اجتماعات لاحقة، مؤكدا أنه يبني قراراته اجتماعا بعد اجتماع وفق أحدث البيانات المتاحة
كما أن النشاط الاقتصادي لا يظهر في الوقت الراهن حالة ركود تفرض خفضا جديدا للفائدة، ولا تضخما داخليا مرتفعا بما يكفي ليفرض زيادة فورية. ولهذا يرى اقتصاديون ومستثمرون أن الإبقاء على 2,25 في المائة يمثل حاليا نقطة توازن بين دعم النشاط الاقتصادي والاحتفاظ بهامش للتحرك إذا تدهورت البيئة التضخمية الدولية.
وعموما لن يكون سعر برميل النفط وحده المؤشر الحاسم. الأهم بالنسبة للسياسة النقدية سيكون ظهور سلسلة من الآثار المتراكمة: ارتفاع مستدام للمحروقات، انتقال الزيادة إلى أسعار النقل والسلع، عودة التضخم الأساسي إلى الارتفاع، تغير توقعات الفاعلين الاقتصاديين بشأن الأسعار، وظهور ضغوط إضافية على سعر الصرف أو الحساب الخارجي.
وفي هذه الحالة يمكن أن يصبح رفع سعر الفائدة أداة لاحتواء ما يعرف بـ”الآثار من الدرجة الثانية”، أي عندما لا تبقى الصدمة محصورة في المادة المستوردة نفسها، بل تبدأ في الانتشار داخل الاقتصاد.
وفي المقابل، فإن رفع الفائدة له كلفة واضحة. فهو يزيد تكلفة القروض على الأسر والمقاولات، ويمكن أن يبطئ الاستثمار والاستهلاك، ولذلك يميل البنك المركزي عادة إلى تجنب استعماله في مواجهة ارتفاع ظرفي في أسعار الطاقة ما لم تظهر مؤشرات على تحول الصدمة إلى موجة تضخمية أوسع.
ومن هنا تبدو جلسة الثلاثاء أقرب إلى اجتماع للتثبيت والمراقبة منها إلى اجتماع لتغيير الاتجاه.
لكن الرسالة الأهم قد لا تكون الرقم الذي سيعلن عنه بنك المغرب، وإنما تقييمه الجديد لمخاطر التضخم وتوقعاته لأسعار الطاقة ومدى استعداد الاقتصاد المغربي لامتصاص الصدمة الخارجية.
فبعد أشهر كان فيها النقاش يدور أساسا حول موعد استئناف تخفيض الفائدة، أعادت أزمة الطاقة السؤال المعاكس إلى الطاولة: ليس هل سيخفض بنك المغرب سعر الفائدة مجددا، وإنما متى يمكن أن يصبح مجبرا على التفكير في رفعه إذا طال أمد الصدمة النفطية.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من اقتصاد

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق