بنك المغرب يعيد ضبط مقاربته لدعم المقاولات الصغرى بعد تعثر التمويل وتباطؤ النمو
كشف مجلس بنك المغرب، خلال اجتماعه الفصلي الأخير لسنة 2025، عن مراجعة ضمنية لمقاربته في مواكبة وتمويل المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، في ضوء معطيات اعتبرها مقلقة حول هشاشة النسيج الإنتاجي الوطني وصعوبة انتقال هذه الفئة من مرحلة البقاء إلى مرحلة النمو.
وبحسب معطيات صادرة عن مرصد المقاولات الصغرى والمتوسطة جدًا، فإن 94 في المائة من النسيج الإنتاجي الوطني يتكون من مقاولات لا يتجاوز رقم معاملاتها 10 ملايين درهم، فيما تظل حوالي 80 في المائة منها تحت سقف 3 ملايين درهم، وهو ما يعكس، وفق قراءة بنك المغرب، إشكالية بنيوية تتجاوز مجرد صعوبات الولوج إلى التمويل.
وفي هذا السياق، ثمّن مجلس بنك المغرب توقيع ميثاق تمويل ومواكبة المقاولات الصغيرة جدًا بتاريخ 4 دجنبر الجاري، معتبرا إياه رافعة محتملة لتحسين الولوج إلى القروض وتحفيز الاستثمار وخلق فرص الشغل، خاصة على المستوى الترابي. وأكد المجلس، في بلاغه الرسمي، أن هذا الميثاق من شأنه تعزيز مساهمة هذه الفئة من المقاولات في التنمية الاقتصادية وخلق دينامية محلية مستدامة.
تمويل متاح… لكن الطلب ضعيف
رغم تخصيص ما يقارب 30 في المائة من آليات إعادة التمويل البنكي لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة جدًا، أقر والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري بأن الإشكال لا يكمن فقط في العرض، بل في ضعف الطلب المؤهل. وأوضح أن هذه الموارد يتم توجيهها نحو قطاعات أخرى فقط في حال غياب طلب كافٍ من طرف هذه المقاولات.
وتبرز الأرقام، رغم ضخ بنك المغرب لما يناهز 143,2 مليار درهم خلال شهري أكتوبر ونونبر، من بينها 33 مليار درهم في إطار قروض مضمونة موجهة لبرامج دعم تمويل المقاولات الصغرى، استمرار الفجوة في كلفة الائتمان. فقد بلغ متوسط سعر الفائدة المطبق على هذه المقاولات 5,41 في المائة خلال الربع الثالث من 2025، مقابل 4,64 في المائة فقط بالنسبة للمقاولات الكبرى.
حصيلة «انطلاقة» تكشف سقف النمو
وسلط بنك المغرب الضوء على حصيلة برنامج «انطلاقة»، الذي بلغ حجمه التمويلي حوالي 9 مليارات درهم واستفادت منه نحو 38 ألف مقاولة، مشيرا إلى أن قرابة 40 في المائة من الملفات المقدمة إلى البنوك قوبلت بالرفض. ويُعزى ذلك، حسب التقييم، إلى ضعف نماذج الأعمال، وهشاشة الفرضيات التجارية، وضيق هوامش السيولة، ما يثير شكوك المؤسسات البنكية بشأن استدامة هذه المشاريع.
واعتبر الجواهري أن استمرار هذا الوضع يفرض الانتقال من منطق التدخل الظرفي إلى معالجة جذرية، قائلا: «لا يمكن أن نظل نتصرف كرجال إطفاء كلما تدهورت الظرفية الاقتصادية».
مقاربة ترابية وتقييم وطني جديد
وفي مواجهة هذا “السقف الزجاجي” الذي يعيق تطور المقاولات الصغرى، يتجه بنك المغرب، بتنسيق مع مختلف المتدخلين، إلى اعتماد مقاربة لامركزية، خاصة في المناطق القروية والمجالات الترابية الأقل استفادة من المواكبة. كما أعلن عن إطلاق ورش إعداد نظام وطني للتنقيط (Scoring) يعتمد على الذكاء الاصطناعي، من أجل تحسين تقييم المخاطر وتسهيل قراءة ملفات التمويل من قبل الأبناك.
وأوضح الجواهري أن هذا النظام سيمكن من توحيد معايير التقييم، وتحسين الشفافية، وفهم أسباب رفض التمويل بشكل أدق، بما يخدم كلاً من المقترضين والمؤسسات البنكية.
المواكبة والتكوين… الحلقة الأضعف
إلى جانب التمويل، شدد بنك المغرب على أن ضعف المواكبة والتكوين يشكل أحد أبرز معوقات تطور المقاولات الصغرى. ودعا في هذا الإطار إلى تعبئة كل من مغرب المقاولات الصغرى والمتوسطة (Maroc PME) والمراكز الجهوية للاستثمار، بشراكة مع المؤسسة المغربية للتثقيف المالي، لإطلاق برامج تحسيس وتأطير، مع اعتماد قطاع السياحة كنموذج تجريبي.
حكامة المقاولة شرط للانتقال إلى مرحلة أعلى
وفي سياق موازٍ، أعلنت اللجنة الوطنية لحكامة المقاولة، برئاسة وزارة الاستثمار والـCGEM، عن إطلاق مدونات جديدة لأفضل ممارسات الحكامة، في خطوة اعتُبرت مكملة لمسار تمكين المقاولات من الولوج إلى تمويلات أكثر تطلبًا. وتشمل هذه المدونات إطارًا عامًا وخمسة أطر قطاعية، تراعي حجم المقاولة وطبيعة نشاطها وهيكل تمويلها.
ويرى متابعون أن هذه الخطوة، رغم طابعها التقني، تشكل عنصرًا حاسمًا في تمكين المقاولات الصغرى من تغيير سلمها، عبر تحسين الشفافية، وتعزيز الثقة، والاقتراب من المعايير المطلوبة من قبل المستثمرين والمؤسسات المالية.
التعاليق