إفادة
إفادة
الثلاثاء 14 يوليو - 08:59

بنك المغرب يخفض كلفة الأداء بالبطاقات.. هل يبدأ العد التنازلي لهيمنة «الكاش»؟

قرر بنك المغرب خفض الحد الأقصى لرسوم التبادل المطبقة على عمليات الأداء بواسطة البطاقات البنكية المحلية، من 0,65 في المائة إلى 0,50 في المائة دون احتساب الضريبة، ابتداء من فاتح أكتوبر 2026، مع اعتماد سقف تفضيلي لا يتجاوز 0,15 في المائة بالنسبة للأداءات المرتبطة بالخدمات الحكومية الإلكترونية والمشتريات المنجزة لدى تجار القرب.
ويأتي القرار في إطار إصلاح أوسع لسوق الأداء الإلكتروني بالمغرب، بعد فتح نشاط اقتناء عمليات الأداء بالبطاقات أمام فاعلين متعددين وإنهاء النموذج الذي كان يجعل مركز النقديات البنكية الفاعل المقتني المهيمن في السوق. وتراهن السلطات على أن يؤدي الجمع بين المنافسة وخفض الرسوم إلى تقليص الكلفة التي يتحملها التجار، وتوسيع استعمال أجهزة الأداء الإلكتروني، خصوصا داخل المحلات الصغيرة.

ماذا تعني رسوم التبادل؟

لا تمثل رسوم التبادل مجموع العمولة التي يؤديها التاجر عند قبول البطاقة البنكية، بل الجزء الذي يحوله البنك أو مقدم خدمات الأداء الذي يتعاقد معه التاجر إلى المؤسسة التي أصدرت بطاقة الزبون.
فعندما يؤدي المستهلك ثمن مشترياته بالبطاقة، تتدخل عدة أطراف في العملية: بنك الزبون، والجهة التي توفر للتاجر جهاز الأداء أو خدمة الاقتناء، ومنظومة معالجة العملية. ويقتطع كل طرف جزءا من العمولة الإجمالية.
لذلك، فإن خفض رسوم التبادل لا يعني آليا أن عمولة التاجر ستصبح 0,50 أو 0,15 في المائة، لكنه يقلص أحد أهم مكوناتها ويمنح الجهات المقتنية هامشا لخفض السعر النهائي الذي تفرضه على التجار.
وقد ألزم قرار بنك المغرب المقتنين بتقديم جداول رسوم التبادل والعمولات المطبقة على التجار، كما شدد على ضرورة انعكاس التخفيض على كلفة الأداء لدى الإدارات وتجار القرب.

لماذا يستفيد تاجر القرب من نسبة أقل؟

استمرار هيمنة الأداء النقدي لا يرتبط فقط بعادات المستهلكين، بل أيضا بحسابات التاجر الصغير.
فالمحل الذي يحقق هامشا محدودا على كل عملية بيع قد يعتبر عمولة الأداء الإلكتروني كلفة إضافية لا يستطيع تحملها، خصوصا في المعاملات ذات المبالغ الصغيرة. وقد يدفعه ذلك إلى رفض البطاقة، أو تحديد مبلغ أدنى لاستعمال جهاز الأداء، أو تفضيل التعامل نقدا.
لهذا اعتمد بنك المغرب سقفا منخفضا يبلغ 0,15 في المائة لدى «تجار القرب»، الذين يعرفهم القرار باعتبارهم نقاط بيع فعلية تنتمي إلى فئات محددة من التجارة والخدمات اليومية. والهدف هو جعل قبول البطاقة أقل كلفة في المحلات التي يتردد عليها المواطن بصورة متكررة.
فعلى عملية أداء بقيمة 100 درهم، يمثل رسم تبادل قدره 0,15 في المائة نحو 15 سنتيما قبل الضريبة، مقابل 50 سنتيما عند تطبيق السقف العام الجديد، و65 سنتيما وفق السقف السابق. وتظل العمولة الإجمالية التي يؤديها التاجر أعلى من ذلك بحسب عقده مع المقتني، لكنها يفترض أن تنخفض بدورها.

لماذا تشمل النسبة المخفضة الإدارات العمومية؟

يهدف السقف الخاص بالخدمات الحكومية الإلكترونية إلى تشجيع المواطنين على أداء الرسوم والفواتير والخدمات الإدارية رقميا، دون تحميل الإدارات أو المرتفقين كلفة مرتفعة مرتبطة باستخدام البطاقة.
فكلما ارتفعت كلفة الأداء الإلكتروني، تقلصت جدواه مقارنة بالدفع النقدي أو الحضور المباشر إلى الشباك. لذلك يسعى القرار إلى دعم رقمنة الخدمات العمومية وتقليص تداول النقد داخل الإدارات.
لكن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا أيضا بسهولة المنصات الحكومية، وجودة الخدمات الرقمية، ووضوح الرسوم المفروضة، وليس فقط بتخفيض كلفة التبادل بين المؤسسات المالية.

من 0,65% إلى 0,50% في أقل من عامين

كان بنك المغرب قد قرر في شتنبر 2024 وضع أول سقف لرسوم التبادل المحلية في حدود 0,65 في المائة من قيمة العملية، ودخل القرار حيز التنفيذ في أكتوبر من السنة نفسها. وجاء ذلك بهدف خفض تكاليف الأداء بالبطاقات وحماية زبناء المؤسسات البنكية ودعم نمو سوق المدفوعات الإلكترونية.
وبعد أقل من عامين، قررت المؤسسة خفض السقف مرة أخرى، بموجب القرار التنظيمي رقم 265/W/2026 الصادر في 6 يوليوز، ما يعكس أن الإصلاح انتقل من مجرد وضع حد للرسوم إلى استعمال التسعير أداة لتوجيه السوق نحو فئات محددة، وعلى رأسها المحلات الصغيرة والخدمات الحكومية.

فتح السوق أمام منافسين جدد

لا يمكن فصل خفض الرسوم عن إعادة هيكلة سوق اقتناء الأداءات البنكية.
فلسنوات، ارتبط قبول البطاقات لدى التجار أساسا بمركز النقديات البنكية. أما الإصلاح الجاري فيقوم على فتح هذا النشاط أمام البنوك ومؤسسات الأداء المرخصة، بينما يحتفظ المركز بوظيفة تقنية مرتبطة بمعالجة العمليات.
ومن المفترض أن يسمح تعدد المقتنين للتاجر بالمقارنة بين العروض من حيث العمولة، وكلفة جهاز الأداء، وسرعة تحويل الأموال، وخدمات الصيانة والدعم.
وبذلك، لن تبقى المنافسة محصورة في إصدار البطاقات للزبناء، بل ستنتقل أيضا إلى الطرف الآخر من السوق: من يستطيع إقناع أكبر عدد من التجار بقبول الأداء الإلكتروني وبأقل كلفة؟

هل سيشعر التاجر فعلا بالتخفيض؟

هذا هو الاختبار الحقيقي للقرار، فرسم التبادل ليس سوى عنصر من السعر الذي يؤديه التاجر. وقد تشمل الكلفة النهائية عمولة المقتني ورسوم استئجار أو اقتناء جهاز الأداء وخدمات تقنية أخرى.
لذلك، قد يظل أثر القرار محدودا إذا احتفظ المقتنون بجزء كبير من التخفيض داخل هوامشهم، بدل تمريره إلى العقود التجارية.
ولهذا طلب بنك المغرب تزويده بجداول الرسوم والعمولات والتقارير اللازمة لمراقبة احترام القرار، مع التأكيد على ضرورة انعكاس الخفض على العمولات المطبقة على الفئات المستهدفة.
وستظهر النتيجة الفعلية في الأسعار التي ستعرضها البنوك ومؤسسات الأداء على التجار ابتداء من أكتوبر، وفي عدد المحلات الجديدة التي ستقبل البطاقات.

هل يمكن للتاجر إضافة العمولة إلى فاتورة الزبون؟

لا يفترض أن تؤدي هذه العمولات إلى زيادة مباشرة في ثمن السلعة عند اختيار الأداء بالبطاقة.
وكان بنك المغرب قد أوضح عند وضع سقف 0,65 في المائة سنة 2024 أن عمولات الأداء بالبطاقة لا يمكن إعادة تحميلها للمستهلك، وبالتالي لا ينبغي للتاجر إضافة رسم خاص على السعر بسبب استعمال البطاقة.
وبذلك، يتحمل التاجر العمولة بوصفها جزءا من كلفة تحصيل المبيعات، كما يتحمل مصاريف أخرى مرتبطة بالنشاط التجاري.
غير أن التطبيق العملي يحتاج إلى مراقبة، لأن بعض المحلات قد تحاول فرض مبلغ إضافي أو اشتراط حد أدنى للأداء الإلكتروني لتعويض الكلفة.

القرار لا يستهدف الرسوم فقط

اقتصاديا، يؤدي انتشار الأداء الإلكتروني إلى خفض كلفة تداول النقد ونقله وتأمينه، كما يسهل على المقاولات تتبع المبيعات وتدبير الحسابات.
لكن له بعد آخر يتعلق بتتبع المعاملات الاقتصادية.
فالأداء النقدي يمكن أن يتم دون ترك أثر محاسبي واضح، بينما تمر العملية الإلكترونية عبر حسابات وأنظمة قابلة للتتبع. ولهذا يشكل توسيع الأداء بالبطاقات جزءا من مسار إدماج الأنشطة التجارية في الاقتصاد المنظم وتقليص المجال الذي يتحرك فيه القطاع غير المهيكل.
وهنا تظهر حساسية الإصلاح لدى بعض صغار التجار؛ فالمشكلة بالنسبة إلى جزء منهم قد لا تكون العمولة وحدها، بل انتقال المبيعات إلى نظام أكثر شفافية أمام البنوك والإدارة الجبائية.
لذلك، قد يساعد خفض الرسوم على إزالة عائق مالي، لكنه لا يزيل تلقائيا كل أسباب التردد في قبول الأداء الإلكتروني.

خطوة نحو اقتصاد أقل اعتمادا على النقد

يمثل القرار خطوة إضافية في سياسة تستهدف جعل الأداء الإلكتروني أكثر انتشارا وأقل كلفة، لكنه لا يعني اقتراب اختفاء النقد من السوق المغربية.
فهيمنة «الكاش» ترتبط أيضا باتساع القطاع غير المهيكل، وضعف قبول البطاقات خارج المدن الكبرى، ومحدودية التجهيزات لدى بعض التجار، وتفضيلات المستهلكين، والثقة في الوسائل الرقمية.
ولذلك، سيتوقف نجاح الإصلاح على أربعة عناصر مترابطة: انخفاض العمولة النهائية التي يؤديها التاجر، واشتداد المنافسة بين المقتنين، وسهولة الحصول على أجهزة وحلول الأداء، وعدم تحميل المستهلك أي رسوم إضافية.
إذا انعكس السقف الجديد فعليا على عروض البنوك ومؤسسات الأداء، فقد يصبح قبول البطاقة قرارا اقتصاديا منطقيا لتاجر الحي، لا خدمة مكلفة يحتفظ بها للمشتريات الكبيرة فقط.
أما إذا ظل التخفيض محصورا داخل العلاقة بين المؤسسات المالية، دون أن يصل إلى التاجر، فسيكون القرار قد خفض رقما تنظيميا دون أن يغير السلوك اليومي في المحلات.
الرهان، إذن، لا يكمن في الانتقال من 0,65 إلى 0,50 في المائة فقط، بل في تحويل هذا التخفيض إلى جهاز أداء جديد فوق طاولة كل متجر صغير، وإلى مواطن لا يحتاج إلى البحث عن النقود كلما أراد شراء حاجياته اليومية.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من العالم الرقمي

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق