بنعليلو: مكافحة الفساد تحتاج إلى تحول مؤسساتي عميق واستراتيجية موحّدة
أكد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن مواجهة الفساد في المغرب لا يمكن أن تبقى رهينة “منطق رد الفعل وتحريك المساطر بشكل ظرفي”، محذّراً من الاكتفاء بـ“حملات تجميع المبادرات المتناثرة دون رؤية موحدة”.
وقال بنعليلو، خلال تقديم الخطوط العريضة للاستراتيجية الخماسية الجديدة للهيئة (2025-2030) في لقاء عُقد الاثنين بالرباط، بحضور مسؤولين حكوميين وممثلين عن الهيئات الدستورية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، إن الفساد “منتشر في كثير من المجالات، وانتظارات المواطنين ارتفعت بشكل كبير”.
وأشار إلى أن هذا الواقع يستدعي “تحولاً مؤسساتياً عميقاً” يقوم على الانتقال من معالجة الحالات الفردية وردود الفعل إلى “الوقاية الذكية والاستباقية”، ومن توصيف الظواهر عبر التقارير إلى “بناء منظومة قادرة على فهم الفساد والتنبؤ به”، مضيفاً أن المطلوب هو “هندسة شاملة تشمل القطاعين العام والخاص معاً”.
وأكد بنعليلو ضرورة “بناء كتلة وطنية واسعة تتقاطع فيها مسؤولية الدولة والمجتمع”، مستشهداً بتأكيد الملك محمد السادس في خطاب عيد العرش سنة 2016 أن الفساد “ليس قدراً محتوماً”، وأن محاربته “لا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات”، ولا يمكن لأي طرف أن ينجح فيها بمفرده خارج إطار القانون.
وأوضح رئيس الهيئة أن الاستراتيجية الخماسية الجديدة تستند إلى مرجعية تشريعية “حوّلت الهيئة من مؤسسة محدودة الصلاحيات إلى قطب وطني لقيادة النزاهة”، مشدداً على أن الهدف هو تمكينها من أدوات التحليل، والتوقع، والبحث، والمكافحة، انسجاماً مع الالتزامات الدولية للمغرب وأفضل الممارسات المقارنة.
وتقوم الاستراتيجية على ستة محاور مترابطة تتفرع إلى 24 محوراً فرعياً و99 مشروعاً عملياً بغايات محددة، تمتد على خمس سنوات، وتشمل:
- تعزيز القيادة المعيارية للهيئة وبناء نظام وطني لقياس النزاهة،
- تمكين الفاعلين العموميين والخواص من آليات الوقاية وإدارة المخاطر،
- إشاعة ثقافة النزاهة عبر المدرسة والجامعة والإعلام،
- تعزيز الشراكات الدولية،
- اعتماد التحول الرقمي والذكاء المؤسساتي،
- وترسيخ الجاهزية التنظيمية للهيئة وهيكلتها الترابية.
وشدد بنعليلو على أن “منطق التدخل بعد وقوع الضرر لم يعد كافياً ولا مقنعاً”، لاسيما في ظل “السرعة الكبيرة التي يتطور بها الفساد وقدرته على التكيف والتأثير”. واعتبر أن الفساد لم يعد مجرد “رشوة صغيرة أو تضارب مصالح محدود”، بل “سلوك منظم له شبكات وقدرات على تهريب الأموال وإخفائها”.
وأضاف أن الاستراتيجية الجديدة “ليست خطة إدارية تنفذ في المكاتب، بل مشروع مؤسسة برؤية متكاملة للنهوض بالنزاهة العمومية”، موضحاً أنها ستقيس أثرها عبر مؤشرات دقيقة وتقارير تدرج في التقرير السنوي المرفوع إلى الملك محمد السادس.
وختم رئيس الهيئة بالتأكيد على أن مكافحة الفساد “ليست خياراً ظرفياً ولا شعاراً عابراً، بل التزام دائم”، وأن هذا التفويض المؤسساتي “يسائل الجميع: الحكومة والبرلمان والقضاء وهيئات الحكامة، حول جهودهم في هذا الورش الوطني”.
التعاليق