بعد 15 سنة من الانتظار.. صدور قانون يمكن المواطنين في الطعن في دستورية القوانين لكن بعد عامين
صدر في الجريدة الرسمية القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، بعد نحو خمسة عشر عاماً على إقرار هذا الحق في دستور 2011.
لكن صدور القانون لا يعني أن المغاربة أصبح بإمكانهم استعماله فوراً. فالمادة 31 منه تنص على دخوله حيز التنفيذ بعد مرور 24 شهراً من تاريخ نشره، ما يعني أن تطبيقه الفعلي لن يبدأ، مبدئياً، قبل يوليوز 2028.
كما أن القانون لا يمنح المواطن حق التوجه مباشرة إلى المحكمة الدستورية للطعن في أي قانون يراه غير عادل أو مخالفاً للدستور. بل يشترط أن يكون طرفاً في قضية قضائية، وأن يكون النص المطعون فيه مطبقاً أو مراداً تطبيقه على النزاع المعروض أمام المحكمة.
قانون صدر الآن.. ومؤجل التطبيق إلى 2028
نُشر القانون التنظيمي في العدد 7523 من الجريدة الرسمية، الصادر في 16 يوليوز 2026، بعد تنفيذه بالظهير الشريف رقم 1.26.22 الصادر في 25 يونيو 2026، وإقرار المحكمة الدستورية مطابقته للدستور في 15 يونيو من السنة نفسها.
ويمثل صدوره استكمالاً لأحد أهم مقتضيات دستور 2011، إذ ينص الفصل 133 على اختصاص المحكمة الدستورية بالنظر في الدفع بعدم دستورية قانون، عندما يدعي أحد أطراف قضية أن النص المراد تطبيقه يمس بحق أو حرية يضمنها الدستور.
غير أن هذا المقتضى ظل معلقاً طوال سنوات بسبب غياب القانون التنظيمي الذي يحدد شروط تطبيقه.
وبعد صدور القانون أخيراً، سيستمر الانتظار سنتين إضافيتين، وهي مدة بررها المشرع بالحاجة إلى إعداد المحاكم والمؤسسات والأنظمة التقنية والبشرية لتطبيق المسطرة الجديدة.
ماذا يعني الدفع بعدم دستورية قانون؟
الدفع بعدم الدستورية ليس دعوى مستقلة يرفعها المواطن ضد قانون معين، كما أنه ليس وسيلة للاعتراض السياسي أو النظري على التشريعات.
بل هو إجراء يثار أثناء قضية قائمة أمام القضاء.
فإذا كان شخص متابعاً في قضية جنائية، أو طرفاً في نزاع مدني أو تجاري أو إداري، ورأت المحكمة أن مادة قانونية معينة تنطبق على قضيته، يمكنه الاعتراض على تطبيقها إذا اعتبر أنها تنتهك حقاً أو حرية يكفلها الدستور.
وقد يتعلق الأمر، مثلاً، بالحق في المحاكمة العادلة، أو المساواة أمام القانون، أو قرينة البراءة، أو حرية التعبير، أو حماية الملكية، أو الحياة الخاصة، أو حرية تأسيس الجمعيات وممارسة العمل النقابي.
ولا تطلب المحكمة العادية في هذه الحالة إلغاء القانون، لأنها لا تملك هذه الصلاحية. وإنما تنظر في مدى جدية الدفع قبل إحالته، عبر المسطرة المحددة، على محكمة النقض ثم المحكمة الدستورية.
شروط كثيرة للوصول إلى المحكمة الدستورية
يشترط القانون توفر مجموعة من العناصر قبل قبول الدفع.
يجب، أولاً، أن تكون هناك قضية معروضة فعلاً أمام محكمة، وأن يكون صاحب الدفع طرفاً فيها. كما يجب أن يكون المقتضى التشريعي المطعون فيه مطبقاً أو مراداً تطبيقه على النزاع، أو أن يكون أساساً للمتابعة القضائية.
ويتعين أيضاً تحديد الحق أو الحرية الدستورية التي يقال إن النص يمس بها، مع توضيح العلاقة المباشرة بين المقتضى القانوني والنزاع.
وبالتالي، لا يستطيع مواطن أن يراسل المحكمة الدستورية مباشرة لمجرد اعتقاده أن قانوناً معيناً غير منصف أو غير ملائم.
فالقانون لا يؤسس لما يعرف بالدعوى الدستورية الشعبية المفتوحة، وإنما يمنح المتقاضي وسيلة دفاع دستورية داخل قضية قائمة.
ويفرض القانون تقديم الدفع في مذكرة كتابية مستقلة عن باقي مذكرات القضية، موقعة من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، باستثناء الحالات التي تثير فيها النيابة العامة الدفع.
ويجب أن تحدد المذكرة بدقة:
- المقتضى التشريعي المطعون فيه؛
- الحق أو الحرية الدستورية المدعى انتهاكها؛
- علاقة النص بالنزاع القضائي؛
- وكيف يؤدي تطبيقه إلى المساس بالحق أو الحرية المعنية.
كما يتطلب الدفع أداء رسم قضائي سيحدد وفق التشريع الجاري به العمل، باستثناء المستفيدين من المساعدة القضائية أو القضايا المعفاة قانوناً من الرسوم.
وتهدف هذه الشروط إلى منع استعمال الدفع بصورة عشوائية أو بهدف تعطيل القضايا. لكنها تثير، في المقابل، أسئلة بشأن قدرة المواطنين محدودي الدخل على تحمل تكلفة الاستعانة بمحام مقبول أمام محكمة النقض وباقي مصاريف المسطرة.
ولا يحال الدفع تلقائياً على المحكمة الدستورية، بل يمر عبر ثلاث مراحل من الفحص.
المحكمة التي تنظر في القضية تتحقق المحكمة المعروض عليها النزاع من احترام الشروط الشكلية داخل أجل أقصاه ثمانية أيام.
وإذا تبين وجود نقص يمكن إصلاحه، تمنح صاحب الدفع أربعة أيام لتداركه. وبعد ذلك يمكنها إحالة الدفع على محكمة النقض أو رفضه بقرار معلل غير قابل للطعن.
وهذا يعني أن المسطرة قد تتوقف منذ مرحلتها الأولى، دون أن يصل السؤال الدستوري إلى محكمة النقض.
بعدها تتأكد محكمة النقض من وجود صلة بين النص المطعون فيه والحق أو الحرية المدعى انتهاكها.
كما تتحقق مما إذا كانت المحكمة الدستورية قد سبق أن أقرت دستورية النص نفسه. ويمكن إعادة طرح المسألة إذا تغيرت الأسس أو الظروف التي بني عليها القرار السابق.
وتبت محكمة النقض داخل أجل لا يتجاوز خمسة عشر يوماً، ويكون قرارها معللاً وغير قابل للطعن. فإذا قبلت الدفع، أحالته على المحكمة الدستورية.
اخيرا يأتي دور المحكمة الدستورية التي بعد توصلها بالملف، تخبر رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان والأطراف المعنية، وتتيح لهم تقديم ملاحظاتهم.
ثم تبت في دستورية المقتضى التشريعي داخل أجل تسعين يوماً من تاريخ توصلها بالدفع.
هل تتوقف القضية الأصلية؟
الأصل أن تتوقف القضية التي أثير فيها الدفع، إلى حين حسم المسألة الدستورية، كما تتوقف الآجال المرتبطة بها.
لكن القانون وضع استثناءات لمنع تحول المسطرة إلى أداة لتعطيل العدالة.
فيمكن مواصلة إجراءات التحقيق المدني أو الجنائي، والتدابير الوقتية والتحفظية، والإجراءات المرتبطة بسلب الحرية، والقضايا الاستعجالية، والحالات التي قد يؤدي فيها التوقف إلى ضرر يصعب إصلاحه.
ماذا يحدث إذا ثبت أن القانون مخالف للدستور؟
إذا قررت المحكمة الدستورية أن المقتضى التشريعي مخالف للدستور، فإن أثر قرارها لا يقتصر على الشخص الذي أثار الدفع.
فالنتيجة هي نسخ المقتضى التشريعي وإخراجه من المنظومة القانونية، ابتداءً من التاريخ الذي تحدده المحكمة الدستورية في قرارها.
وهنا تكمن أهمية الآلية الجديدة: قد يبدأ الملف من نزاع فردي بسيط، لكنه قد ينتهي بإسقاط مادة قانونية تطبق على جميع المواطنين.
وتنشر قرارات المحكمة الدستورية في الجريدة الرسمية، ويمكن، في حالات معينة، ترتيب آثار القرار على القضية التي انطلق منها الدفع أو السماح برفع دعوى جديدة عندما يكون حكم نهائي سابق قد استند إلى النص الذي ثبتت مخالفته للدستور.
غير أن القانون ينص أيضاً على أن التصريح بعدم دستورية مقتضى تشريعي لا يرتب، في حد ذاته، مسؤولية الدولة عن تطبيقه خلال الفترة السابقة على نسخه.
وبذلك، فإن إلغاء النص لا يمنح تلقائياً كل من تضرر منه سابقاً حق المطالبة بالتعويض.
لماذا استغرق القانون خمسة عشر عاماً؟
عرف تفعيل الفصل 133 من الدستور مساراً تشريعياً ودستورياً طويلاً.
فقد أعدت نسخة سابقة من القانون التنظيمي تحت رقم 86.15، لكن المحكمة الدستورية اعتبرت بعض مقتضياتها غير مطابقة للدستور سنة 2018.
وأعيدت صياغة المشروع، قبل أن تسجل المحكمة الدستورية ملاحظات جديدة عليه سنة 2023.
وفي سنة 2025، قدمت الحكومة مشروعاً جديداً تحت رقم 35.24. وبعد مروره عبر المجلس الوزاري والبرلمان، أقرت المحكمة الدستورية مطابقته للدستور في يونيو 2026، لينشر بعد ذلك في الجريدة الرسمية.
وهكذا احتاج تفعيل مقتضى دستوري واحد إلى نحو خمسة عشر عاماً، وعدة صيغ تشريعية، ومحطات متكررة أمام القضاء الدستوري.
هل هو أقوى قانون في تاريخ المغرب؟
يحمل القانون أهمية دستورية كبيرة، لكن وصفه بأنه «أقوى قانون في تاريخ المملكة» لا يبدو دقيقاً من الناحية القانونية.
فالدستور يظل أسمى قاعدة قانونية، كما توجد قوانين تنظيمية أخرى تؤطر عمل البرلمان والحكومة والسلطة القضائية والانتخابات والمؤسسات الدستورية.
لكن يمكن اعتبار القانون رقم 35.24 واحداً من أبرز قوانين حماية الحقوق والحريات الصادرة منذ دستور 2011، لأنه يمنح المتقاضي، لأول مرة، مدخلاً عملياً للمساهمة في تنقية التشريع من النصوص المخالفة للدستور.
فقيمة القانون لن تتحدد فقط بما ورد في مواده، بل بالطريقة التي ستطبق بها المحاكم شروط قبول الدفوع.
فإذا فسرت الشروط بصورة شديدة التضييق، قد تتوقف غالبية الملفات في المراحل الأولى. أما إذا طبق القانون بطريقة توازن بين الجدية وحق الوصول إلى القضاء الدستوري، فقد يتحول إلى إحدى أهم أدوات حماية الحقوق في المغرب.
وسيكون نجاحه مرتبطاً أيضاً بفعالية المساعدة القضائية، وتكوين القضاة والمحامين، وسهولة تبادل الملفات، ونشر الاجتهادات الدستورية بصورة واضحة ومفهومة.
لقد صدر القانون في يوليوز 2026، لكن استعماله الفعلي مؤجل إلى يوليوز 2028.
وعند دخوله حيز التنفيذ، لن يصبح المواطن قادراً على مهاجمة القوانين مباشرة، لكنه سيتمكن، داخل قضية تخصه، من الاعتراض على تطبيق نص يعتقد أنه يمس بحقوقه الدستورية.
وقد يبدأ الأمر من نزاع فردي أمام محكمة محلية، ثم ينتهي بإخراج مادة قانونية من المنظومة التشريعية كلها.
وهنا تكمن أهمية التحول: الانتقال بالمواطن من مجرد شخص يخضع للقانون إلى متقاضٍ يمكنه، وفق شروط محددة، المساهمة في مراقبة دستوريته.
التعاليق