إفادة
إفادة
الأربعاء 05 أغسطس - 01:19

بعد ما يقارب 5 عقود من تأسيسها … ما يزال الحضور الأكاديمي لجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية باهتا

رغم المكانة المؤسسية التي تتمتع بها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية باعتبارها الذراع الأكاديمي والعلمي لمجلس وزراء الداخلية العرب، فإن حضورها في المشهد الجامعي الدولي لا يزال دون مستوى الإمكانات التي تتوفر عليها، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على التحول إلى مؤسسة قوية في التأهيل الأمني وفي البحث العلمي ذو التأثير العالمي.
فالجامعة، التي تأسست قبل أكثر من أربعة عقود لتكوين القيادات الأمنية والعدلية العربية وإنتاج المعرفة في مجالات الأمن والعدالة الجنائية، استطاعت بناء منظومة أكاديمية تضم برامج للدراسات العليا، ومراكز بحثية، ومختبرات متخصصة، كما حصلت على عدد من الاعتمادات المؤسسية والبرامجية. غير أن هذه المكتسبات لم تنعكس بالشكل نفسه على حضورها في التصنيفات الدولية أو على مستوى تأثيرها البحثي والتكويني مقارنة بجامعات عربية وإقليمية أخرى.

حضور محدود في التصنيفات الدولية

رغم تاريخها الطويل، لا تزال جامعة نايف خارج أبرز التصنيفات الجامعية العالمية، مثل QS World University Rankings وTimes Higher Education وShanghai Ranking، كما أن حضورها في التصنيفات القائمة على الإنتاج العلمي، مثل SCImago Institutions Rankings، يبقى محدوداً مقارنة بعدد من الجامعات العربية بل والسعودية نفسها.
ولا يعني ذلك غياب النشاط البحثي داخل الجامعة، إذ تصدر المؤسسة كتباً ودوريات علمية وتنظم مؤتمرات متخصصة، إلا أن جزءاً كبيراً من هذا الإنتاج يظل دون الهدف المرجو مما يؤثر على اندماجها في شبكات البحث والتكوين الأكاديمي الدولي، وهو ما ينعكس على حجم الاستشهادات العلمية وتأثير البحوث المنشورة.

الانفتاح الدولي… الحلقة الأضعف

من بين أبرز الملاحظات التي سجلتها هيئة Hcéres الفرنسية المكلفة بتقييم مؤسسات التعليم العالي، محدودية الحراك الأكاديمي الدولي داخل الجامعة.
فبرامج التبادل الطلابي مع الجامعات الأجنبية لا تزال محدودة، كما أن التعاون العلمي مع المؤسسات الدولية لا يرقى إلى مستوى المكانة الإقليمية التي تتمتع بها الجامعة. وأوصت الهيئة بتوسيع الشراكات مع جامعات خارج العالم العربي، وتعزيز استخدام اللغة الإنجليزية، وتشجيع مشاركة الطلبة والأساتذة في المشاريع البحثية والمؤتمرات الدولية.
ويرى مختصون أن ضعف الانفتاح الأكاديمي يقلص فرص الاحتكاك بالمدارس العلمية الحديثة، ويؤثر في قدرة الباحثين على إنتاج معرفة تنافس على المستوى الدولي.

برامج أكاديمية بحاجة إلى تحديث أسرع

وعلى الرغم من تنوع التخصصات التي تقدمها الجامعة، تشير تقارير الاعتماد إلى أن بعض البرامج ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الجانب النظري، مع محدودية التدريب الميداني المنظم.
كما أن سرعة تطوير المناهج لا تواكب دائماً التحولات التي يشهدها قطاع الأمن عالمياً، خاصة في مجالات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والجرائم العابرة للحدود، وهي تخصصات أصبحت اليوم في صلب العمل الأمني الحديث.
ويجعل ذلك بعض البرامج أقل ارتباطاً بالتحولات المهنية المتسارعة، رغم احتفاظها بقيمتها الأكاديمية، بل ان هناك ملاحظات داخلية قدمت لهيئات عليا مسؤولة داخل الجامعة ترصد ضعف المناهج والبرامج بشكل يؤثر على قوة التكوين داخل الجامعة.

الحوكمة المركزية وسرعة اتخاذ القرار

ومن بين القضايا التي يثيرها عدد من الباحثين، طبيعة الحوكمة داخل الجامعة باعتبارها مؤسسة تابعة لمجلس وزراء الداخلية العرب.
فهذا الارتباط يمنحها ثقلاً مؤسسياً وسياسياً، لكنه يجعل منظومة اتخاذ القرار أكثر مركزية مقارنة بالجامعات التي تتمتع باستقلال إداري وأكاديمي واسع.
ولا توجد بيانات منشورة تثبت بصورة مباشرة أن هذه البنية تؤثر على الأداء المؤسسي، غير أن عدداً من المختصين يعتبرون أن المركزية قد تحد من سرعة تحديث البرامج، واستحداث تخصصات جديدة، والتكيف مع التحولات الأكاديمية والتكنولوجية المتسارعة.
وتبقى طبيعة الجامعة نفسها محوراً للنقاش، فهي ليست جامعة شاملة بالمعنى التقليدي، بل مؤسسة أنشئت أساساً لخدمة احتياجات الأجهزة الأمنية والعدلية العربية، وهو ما يجعل أولوياتها البحثية مرتبطة في الغالب بالسياسات الأمنية الرسمية.
ولا توجد أدلة منشورة تثبت وجود تدخل مباشر في نتائج الأبحاث أو تقييد ممنهج للحرية الأكاديمية، إلا أن هذا الارتباط المؤسسي يحد بطبيعته من تنوع بعض المجالات البحثية مقارنة بالجامعات متعددة التخصصات.

الشفافية… المنقوصة

رغم اعتماد الجامعة لأنظمة داخلية للجودة والتقييم، فإنها لا تنشر بصورة دورية عدداً من المؤشرات التي أصبحت معياراً أساسياً في تقييم الجامعات، مثل معدلات التخرج، ونسب التوظيف بعد التخرج، وحجم التمويل البحثي، والإنتاج العلمي السنوي، أو تقارير الأداء المالي التفصيلية.
ويجعل هذا النقص في البيانات من الصعب على الباحثين والجهات المستقلة إجراء تقييم موضوعي وشامل لأداء المؤسسة.
وهو امر بطبيعة الحال لا يخدم تجويد المناهج داخلها ما دام آخر تتبعها ورصدها غير متاح وفق معايير وانظمة اكثر شفافية ومحايدة ومؤسساتية.

مكانة رسمية… وتأثير علمي محدود

وتبرز المفارقة الأساسية في أن جامعة نايف تمتلك دعماً سياسياً ومؤسسياً كبيراً، وإمكانات مالية معتبرة، وشبكة تعاون عربية واسعة، لكنها لم تتحول بعد إلى مرجع أكاديمي عالمي في العلوم الأمنية.
ويُرجع عدد من المختصين ذلك إلى تداخل عدة عوامل، أبرزها محدودية الانفتاح الدولي، وضعف التعاون البحثي العالمي، وقلة الحراك الأكاديمي، وبطء تحديث البرامج، والتركيز الكبير على البعد المهني الحكومي، إضافة إلى محدودية النشر في المجلات العلمية ذات التأثير المرتفع.
وتكشف تجربة جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية عن مفارقة بين قوة المكانة المؤسسية ومحدودية الحضور الأكاديمي الدولي. فالمؤسسة لم تنجح أمام تحديات تتعلق بالتحول إلى جامعة بحثية تنافس على المستوى العالمي.
ويبدو أن تحقيق هذا الهدف لن يتوقف على استحداث برامج جديدة أو الحصول على اعتمادات إضافية فحسب، بل يتطلب تعزيز الانفتاح الأكاديمي، وتوسيع الشراكات الدولية، ورفع مستوى الشفافية، وتسريع تحديث المناهج، وتطوير البحث العلمي، بما يجعل الجامعة أكثر اندماجاً في الشبكات الأكاديمية العالمية وأكثر تأثيراً في إنتاج المعرفة المتخصصة في العلوم الأمنية.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق