بعد قرابة 7 سنوات من الخطاب الملكي.. لماذا ما تزال أبواب القروض مغلقة أمام المقاولات الصغيرة؟
بعد قرابة سبع سنوات من الخطاب الملكي الذي دعا البنوك المغربية إلى تعزيز دورها التنموي وتسهيل ولوج الشباب والمقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل، ما تزال العلاقة بين جزء واسع من النسيج المقاولاتي والقطاع البنكي محكومة بالشكوى نفسها: الحاجة إلى الاستثمار موجودة، والسيولة متوفرة لدى البنوك، لكن الوصول إلى القرض يظل صعباً ومكلفاً بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة.
ففي خطاب افتتاح البرلمان يوم 11 أكتوبر 2019، دعا الملك محمد السادس البنوك إلى تبسيط وتسهيل إجراءات الحصول على القروض، والانفتاح بصورة أكبر على أصحاب المشاريع والمقاولات الصغيرة، بعدما أشار إلى أن القطاع البنكي يعطي أحياناً انطباعاً بأنه يبحث عن «الربح السريع والمضمون».
ومنذ ذلك الحين، أُطلقت برامج للضمان والتمويل، أبرزها «انطلاقة»، وتوسعت تدخلات مؤسسة «تمويلكم»، كما ارتفع حجم القروض الموجهة إلى الاقتصاد. غير أن المؤشرات المتاحة تظهر أن المشكلة لم تعد مرتبطة بغياب التمويل في حد ذاته، بقدر ما ترتبط بطريقة توزيعه وشروط الاستفادة منه.
قروض بالمليارات.. لكن من يحصل عليها؟
تظهر أرقام القطاع البنكي أن البنوك المغربية لا تعاني نقصاً في النشاط أو الربحية. فقد بلغ رصيد القروض الممنوحة للعملاء نحو 1,238 مليار درهم في نهاية سنة 2025، بينما ارتفعت قروض التجهيز، الموجهة أساساً إلى تمويل الآلات والمعدات والمنشآت، بنسبة تقارب 23 في المائة لتصل إلى نحو 349 مليار درهم.
وفي السنة نفسها، حققت البنوك أرباحاً صافية مجمعة بلغت 19.2 مليار درهم، بارتفاع تجاوز 22 في المائة.
لكن ارتفاع قروض التجهيز لا يعني بالضرورة أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة حصلت على النصيب الأكبر منها. فالرقم الإجمالي يشمل أيضاً تمويل المقاولات الكبرى، والمؤسسات العمومية، ومشاريع البنيات التحتية والطاقة والعقار والسياحة، إلى جانب القروض المشتركة التي تمولها عدة بنوك.
ولا تنشر البيانات المتاحة تفاصيل كافية تسمح بمعرفة الحصة الدقيقة التي وصلت إلى المقاولات الصغيرة من هذه الزيادة.
وهنا تظهر المفارقة: فقد يرتفع تمويل الاستثمار على المستوى الوطني، بينما تظل آلاف المقاولات الصغيرة خارجه.
22 في المائة فقط من المقاولات تتوفر على قرض
بحسب معطيات أوردها صندوق النقد الدولي اعتماداً على المندوبية السامية للتخطيط، لم تتجاوز نسبة المقاولات المغربية التي صرحت بتوفرها على قرض بنكي 22 في المائة سنة 2023، بينما جرى تمويل نحو 77 في المائة من استثماراتها الثابتة من مواردها الذاتية.
وتكشف هذه الأرقام أن أغلبية المقاولات لا تعتمد على البنك لتوسيع نشاطها أو اقتناء تجهيزات جديدة، بل على أرباحها ومدخرات أصحابها وأموال الأسرة أو الموردين.
ويصبح حجم المقاولة عاملاً حاسماً في قدرتها على تعبئة التمويل. فكلما كانت المؤسسة كبيرة، امتلكت حسابات منتظمة وعقارات وعقوداً وتاريخاً بنكياً يسمح لها بالتفاوض. وكلما كانت صغيرة أو حديثة، ارتفعت احتمالات مطالبتها بضمانات إضافية أو رفض ملفها.
وتدخل المقاولة الصغيرة بذلك في دائرة مغلقة: تحتاج إلى القرض كي تستثمر وتكبر، لكنها لا تحصل عليه لأنها ما تزال صغيرة ولا تملك الأصول التي يطلبها البنك. وبسبب غياب التمويل، تظل غير قادرة على بناء الأصول التي كان يمكن أن تستخدمها ضماناً في المستقبل.
مقاولات تحتاج إلى القرض لكنها لا تطلبه
لا تظهر فجوة التمويل فقط في الملفات التي ترفضها البنوك، بل تبدأ قبل ذلك، عندما تتراجع المقاولة عن تقديم الطلب أصلاً.
فقد أظهر مسح وطني للمندوبية السامية للتخطيط أن 35 في المائة فقط من المقاولات تقدمت بطلب للحصول على قرض بنكي. وارتفعت النسبة إلى 56 في المائة لدى المقاولات الكبرى، لكنها لم تتجاوز 27 في المائة لدى المقاولات المتناهية الصغر.
ويعني ذلك أن جزءاً من أصحاب المقاولات يستبعد نفسه مسبقاً من السوق البنكية، إما لاقتناعه بأن الطلب سيرفض، أو لعدم امتلاكه عقاراً قابلاً للرهن، أو لخوفه من كلفة الفائدة، أو لعجزه عن إعداد دراسة جدوى وملف مالي بالمواصفات التي تطلبها البنوك.
ويعرف هذا الوضع بـ«الطلب المحبط على الائتمان»: مقاولة تحتاج إلى القرض، لكنها لا تطلبه لأنها تتوقع الرفض أو تعتبر الشروط غير قابلة للتحمل.
لذلك قد يكون عدد المقاولات المقصية فعلياً من التمويل أكبر بكثير من عدد الملفات المرفوضة رسمياً.
توفر شروط الضمان.. قبل قوة المشروع
يمثل الضمان أحد أكبر العوائق أمام المقاولات الصغيرة.
فمن بين المقاولات المتناهية الصغر التي تقدمت بطلبات للقروض، لم تحصل 28 في المائة على جواب إيجابي. وكان ضعف الضمانات سبباً في 52 في المائة من حالات الرفض، وفق مسح المندوبية السامية للتخطيط.
ويفضل البنك العقار لأنه أصل يمكن حجزه وبيعه عند تعثر المقترض. أما جودة الفكرة أو خبرة صاحب المشروع أو الأرباح المستقبلية المتوقعة، فهي عناصر أصعب في القياس.
لكن هذا المنطق يمنح الأفضلية لمن يملك العقار قبل إطلاق المشروع. فصاحب المقاولة الذي يملك أرضاً أو منزلاً تكون فرصته في التمويل أكبر من رائد أعمال شاب يملك فكرة قابلة للنمو، لكنه لا يتوفر على أصول قابلة للرهن.
وبذلك قد يصبح القرض مرتبطاً بثروة صاحب المشروع أكثر من ارتباطه بالقيمة الاقتصادية للمشروع نفسه.
ويظهر الاختلال بصورة أكبر في الأنشطة الرقمية والمبتكرة، التي تعتمد على المعرفة والبرمجيات ورأس المال البشري، ولا تملك في بدايتها مصانع أو عقارات أو معدات ثقيلة يمكن تقديمها للبنك.
المقاولة الصغيرة تتعرض لشروط مجحفة
حتى عندما تحصل المقاولة الصغيرة على التمويل، فإنها تقترض عادة بسعر أعلى من المقاولة الكبرى.
فخلال الفصل الأخير من سنة 2025، بلغ متوسط سعر الفائدة على قروض المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة 5.22 في المائة، مقابل 4.74 في المائة للمقاولات الكبرى.
وقد يبدو الفرق محدوداً، لكنه يتحول إلى كلفة مهمة عندما يتعلق الأمر بقرض يمتد لسنوات، خصوصاً بعد إضافة مصاريف دراسة الملف والتأمين والرهن والتقييم والتوثيق.
وتبرر البنوك هذا الفارق بارتفاع مخاطر تعثر المقاولات الصغيرة، وضعف معلوماتها المحاسبية، وتقلب مداخيلها، وارتفاع كلفة دراسة ملفاتها مقارنة بقيمة القروض المطلوبة.
فتمويل عشر مقاولات بمليون درهم لكل واحدة يتطلب دراسة عشرة ملفات ومتابعة عشرة عملاء، بينما يمكن للبنك منح المبلغ نفسه إلى مقاولة كبيرة من خلال ملف واحد وضمانات أقوى.
يؤدي هذا المنطق، حتى دون قرار مباشر بإقصاء الصغار، إلى تفضيل القروض الكبرى والأكثر ربحية والأقل كلفة إدارية.
الضمان العمومي ساعد.. لكنه لم يحل المشكلة
تتدخل الدولة عبر مؤسسة «تمويلكم» لتقاسم مخاطر القروض مع البنوك.
وخلال سنة 2024، سمحت تدخلات المؤسسة بتعبئة 47.5 مليار درهم من التمويلات عبر أكثر من 82 ألف عملية. وبلغت القروض المعبأة لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة نحو 41.3 مليار درهم.
كما سمح منتج «ضمان استثمار» بتعبئة 4.9 مليارات درهم لفائدة 833 عملية، بينما غطى «ضمان إكسبرس» أكثر من 49 ألف عملية بقروض بلغت 5.4 مليارات درهم.
غير أن الضمان العمومي لا يعني أن «تمويلكم» تمنح القرض مباشرة أو تلزم البنك بالموافقة. فالمؤسسة تغطي جزءاً من المخاطر فقط، بينما يحتفظ البنك بسلطة دراسة الملف واتخاذ القرار.
ويطرح ذلك سؤالاً أساسياً: هل تذهب ضمانات الدولة إلى مقاولات كان البنك سيرفضها لولا الضمان، أم تستخدم أحياناً لتغطية قروض موجهة إلى عملاء كانوا سيحصلون عليها أصلاً؟
فإذا استفاد منها العملاء المقبولون مسبقاً، تتحمل الدولة جزءاً من المخاطر، من دون أن يتوسع عدد المقاولات القادرة فعلياً على دخول سوق الائتمان.
سوق مركزة وبدائل محدودة
يزيد تركّز القطاع البنكي من حساسية المشكلة. فثلاث مجموعات بنكية كبرى تستحوذ على أكثر من 61 في المائة من أصول القطاع، بينما تقترب حصة البنوك الخمسة الأولى من ثلاثة أرباع السوق.
كما أظهر تقرير «تمويلكم» أن ثلاثة بنوك استحوذت على نحو 65 في المائة من التزامات الضمان العامة الموجهة إلى المقاولات خلال سنة 2024.
ولا يثبت هذا التركّز وجود اتفاق غير قانوني أو محاباة ممنهجة، لكنه يعني أن عدداً محدوداً من المؤسسات يمر عبره الجزء الأكبر من التمويل والضمانات العمومية.
وتزداد قوة البنوك بسبب ضعف البدائل. فالمقاولة الصغيرة التي يرفض البنك طلبها لا تستطيع غالباً إصدار سندات أو دخول البورصة أو الحصول بسهولة على رأسمال مخاطر.
ولهذا لا يكون رفض القرض مجرد رفض لمنتج مالي، بل قد يعني توقف المشروع بالكامل.
من يملك الأصول يحصل على مزيد من الأصول
لا تحتاج الأفضلية التي تحصل عليها المقاولات الكبرى إلى تواطؤ مباشر.
فالبنك يفضل العميل الذي يعرفه، والذي يملك تاريخاً مالياً وعقارات وعقوداً وتدفقات منتظمة. وتستطيع المقاولة الكبرى التعامل مع أكثر من بنك والتفاوض بشأن الفائدة والضمانات.
أما المقاولة الصغيرة، فتظل غالباً مرتبطة ببنك واحد، وتملك قوة تفاوضية محدودة.
ومن منظور البنك، يبدو هذا الاختيار منطقياً لأنه يقلل المخاطر. لكن أثره الاقتصادي هو إعادة إنتاج القوة القائمة: من يملك الأصول يحصل على مزيد من التمويل، ومن لا يملكها يجد صعوبة في بناء تلك الأصول.
وهكذا تتحول اللامساواة في الثروة إلى تفاوت في الوصول إلى القرض، ثم إلى تفاوت في فرص الاستثمار والنمو.
المشكلة ليست غياب المال بل طريقة توزيعه
بعد قرابة سبع سنوات من الخطاب الملكي، لا يمكن القول إن شيئاً لم يتغير. فقد أُطلقت برامج ضمان وتمويل جديدة، وارتفع حجم القروض، وأصبح دعم المقاولات الصغيرة جزءاً معلناً من السياسات العمومية.
لكن المؤشرات تظهر أن جوهر المشكلة ما يزال قائماً.
فالمقاولة الكبرى تدخل إلى البنك وهي تحمل تاريخاً مالياً وعقارات وعقوداً وقدرة تفاوضية. أما المقاولة الصغيرة فتدخل حاملة مشروعاً يحتاج إلى التمويل كي يكتسب هذه المقومات، ثم يطلب منها البنك أن تكون قد اكتسبتها قبل الحصول على القرض.
ولا تحتاج المقاولات الصغيرة إلى فوائد أقل فقط، بل إلى نظام تمويل مختلف: نظام يقيم التدفقات والعقود والفواتير وقابلية المشروع للحياة، ولا يعتمد أساساً على العقار؛ ويقدم مواكبة تقنية قبل القرض وبعده؛ ويوجه الضمانات العمومية إلى المقترضين الجدد والمقاولات التي لا تملك أصولاً كبيرة.
كما يحتاج السوق إلى نشر بيانات أكثر تفصيلاً عن المستفيدين من قروض الاستثمار، وأسباب رفض الملفات، وتوزيع القروض بحسب حجم المقاولة والقطاع والجهة.
فالنجاح لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد مليارات الدراهم التي ضختها البنوك، بل بعدد المقاولات التي استطاعت بفضل هذه القروض شراء آلات جديدة، وتوسيع إنتاجها، والانتقال من نشاط صغير إلى مؤسسة قادرة على التشغيل والتصدير.
وبعد سنوات من الإصلاح والضمانات والبرامج الجديدة، يظل السؤال قائماً: هل يمول النظام البنكي المغربي المشاريع الأكثر قدرة على خلق القيمة، أم يمول أساساً أصحاب الأصول الأكثر قدرة على تقديم الضمانات؟
التعاليق