إفادة
إفادة
السبت 11 يوليو - 11:52

بعد تعثره في إدارة ملفات وزارته بنسعيد يعد المغاربة بالإنصات والأمل

اختار محمد المهدي بنسعيد، عضو القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يقدم حزبه من برشيد باعتباره حاملا لـ”بديل وأمل حقيقي”، داعيا مناضليه إلى إقناع المغاربة بالتصويت على البرامج بدل الأشخاص، ومقرا في الوقت نفسه بأن تجربة الحزب الأولى داخل الأغلبية الحكومية حملت إيجابيات وسلبيات.

غير أن خطاب بنسعيد الانتخابي الجديد يفتح، قبل مناقشة البرنامج المقبل لحزب الأصالة والمعاصرة، سؤالا أكثر إحراجا يتعلق بحصيلته الشخصية على رأس واحدة من أكثر الوزارات اتساعا وتعقيدا: وزارة الشباب والثقافة والتواصل.

فالرجل الذي يدعو اليوم إلى الحكم على الأحزاب من خلال برامجها، أمضى قرابة ولاية حكومية كاملة في تدبير قطاعات الصحافة والثقافة والشباب والسينما وحقوق المؤلف. وخلال هذه السنوات، أظهر قدرة واضحة على دفع مشاريع القوانين عبر المسار الحكومي والبرلماني، مستفيدا من أغلبية منضبطة عدديا، لكن عددا من الأوراش التي قادها كشف أن تمرير القانون شيء، وبناء التوافق الضروري لتنزيله شيء آخر تماما.

قانون مجلس الصحافة.. الأغلبية مررت والمحكمة الدستورية أعادت النص

يقدم ملف المجلس الوطني للصحافة أحد أكثر الأمثلة وضوحا على طريقة تدبير بنسعيد للإصلاح.
فبعد انتهاء الولاية الانتدابية للمجلس السابق، دخل القطاع مرحلة لجنة مؤقتة، قبل أن تدفع الوزارة بمشروع جديد لإعادة تنظيم المجلس. ودافع بنسعيد عن النص باعتباره ثمرة مشاورات مهنية واسعة، بل تحدث عن الأخذ بنسبة كبيرة من ملاحظات المهنيين.
غير أن نقابات وهيئات مهنية واجهت هذا الخطاب باتهامات صريحة للوزارة بعدم الإنصات، واعتبرت الادعاء بالأخذ بـ80 في المائة من الملاحظات غير صحيح.
ومع ذلك، واصل المشروع طريقه مستندا إلى الأغلبية البرلمانية، قبل أن تصطدم الصيغة التي خرج بها من البرلمان بالمحكمة الدستورية. ففي قرارها الصادر في يناير 2026، صرحت المحكمة بعدم دستورية مقتضيات في المواد 4 و5 و49 و57 و93، ومن بينها آلية تمنح المنظمة المهنية الحاصلة على أكبر حصة تمثيلية جميع المقاعد المخصصة للناشرين.
واضطرت الحكومة بعدها إلى العودة بمشروع جديد وإعادة بناء جزء من النص، قبل أن يمر مجددا عبر البرلمان خلال 2026. وزارة بنسعيد نفسها أقرت بأن المشروع الجديد جاء في سياق التفاعل مع قرار المحكمة الدستورية وإعادة النظر في عدد من آليات تنظيم المهنة وتركيبة المجلس.
وهنا لا يتعلق الأمر بخلاف سياسي عابر. فالوزارة استهلكت سنوات من الولاية في تدبير فراغ مؤسساتي ولجنة مؤقتة ومشروع قانون أول ومسار برلماني وطعن دستوري، ثم مشروع قانون ثان ومسار تشريعي جديد.
أي أن أحد أكبر إصلاحات بنسعيد انتهى، عمليا، إلى العودة إلى طاولة التشريع قبل أن يكتمل تنزيله.

الصحافة.. الوزير شرّع للقطاع لكنه لم ينجح في تهدئة القطاع

تكشف أزمة الصحافة أيضا أحد أبرز نقاط ضعف تجربة بنسعيد: صعوبة بناء الثقة مع الفرقاء الذين يفترض أن تنزل القوانين عليهم.

فالوزارة أعلنت مرارا أنها تريد بناء “بيئة قانونية مستقرة وشفافة” للممارسة الصحفية، كما جعلت دعم الإنتاج الإعلامي وتقوية النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية ضمن أولوياتها المعلنة.

لكن السنوات الأخيرة شهدت، في المقابل، توترا مستمرا حول الدعم العمومي، وشروط الاستفادة منه، وتمثيلية الناشرين، ومستقبل التنظيم الذاتي، وتركيبة المجلس الوطني للصحافة.

المفارقة أن وزارة التواصل، أي القطاع الذي يفترض أن تكون المشاورات والإنصات وإدارة الاختلاف من صميم وظيفته السياسية، تحولت إلى طرف في مواجهة مفتوحة مع جزء من الجسم الصحفي.
ويمكن الاختلاف مع مواقف النقابات أو الناشرين، لكن يصعب تجاهل النتيجة السياسية: بعد سنوات من “الإصلاح”، لم يصل القطاع إلى حالة استقرار مؤسساتي، بل ظل منشغلا بمن يمثل من، ومن يملك شرعية الحديث باسم المهنيين، ومن يتحكم في شروط الدعم والتنظيم.

معرض الكتاب.. قرار النقل تحول من إجراء ظرفي إلى واقع دائم

في الثقافة، يظل قرار نقل المعرض الدولي للنشر والكتاب من الدار البيضاء إلى الرباط واحدا من أكثر القرارات ارتباطا بولاية بنسعيد.

ما بدأ في سياق ظروف مرتبطة بموقع تنظيم المعرض في الدار البيضاء، تحول إلى استقرار دائم للموعد الثقافي بالعاصمة. وعندما استمر الجدل حول القرار، اعتبر بنسعيد أن نقاش نقل المعرض أصبح “متجاوزا”.

لكن الأسئلة لم تتوقف عند المدينة.

في شتنبر 2025، وصل النقاش إلى البرلمان حول تطور المبالغ التي أنفقت على المعرض منذ نقله إلى الرباط، وحول مداخيله والتوازن بين نفقاته وموارده وسبل تنويع المساهمين في تمويله.
وخلال دورة 2026، بلغ الغلاف المعلن لصفقة التنظيم نحو 45.8 مليون درهم، بعد حوالي 45.5 مليون درهم سنة 2025 و44 مليون درهم سنة 2024، وفق معطيات صحفية منشورة حول طلبات العروض.

كما أثارت صفقات تنظيم المعرض انتقادات وتساؤلات إعلامية حول كلفتها وطريقة تدبيرها، ما دفع الوزير نفسه في دورة 2025 إلى الدفاع علنا عن هذه الصفقات.

مرة أخرى، اختار بنسعيد الحسم: نقل المعرض، ثم الدفاع عن القرار، ثم اعتبار النقاش حول العودة إلى الدار البيضاء متجاوزا.

لكن الحسم الإداري لا يلغي السؤال السياسي: هل جرى تقييم قرار النقل بصورة مستقلة؟ وما أثره على الناشرين والمبيعات وكلفة التنظيم؟ وما العائد المالي والثقافي مقابل عشرات الملايين التي تنفق سنويا؟

حقوق المؤلف.. إصلاح آخر واجه اتهامات بالإقصاء

ولم تكن أزمة الإنصات محصورة في الصحافة.
ففي ملف حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، عبر فنانون ومهنيون ونقابيون عن احتجاجهم على طريقة تدبير إصلاح المكتب المغربي لحقوق المؤلفين، واتهموا الوزارة بإقصائهم من المشاورات وبغياب إشراك فعلي للفاعلين المعنيين.

وفي يونيو 2026، كان بنسعيد لا يزال يقدم أمام البرلمان تعديلات جديدة على قانون حقوق المؤلف، تشمل توسيع مفاهيم البث والنقل إلى الجمهور لتشمل الخدمات الرقمية الحديثة.
وهو ما يعكس أن ورش إعادة بناء المنظومة القانونية للحقوق الفكرية ظل مفتوحا إلى الأشهر الأخيرة من الولاية الحكومية.

السينما.. قانون كبير احتاج إلى انتظار هندسته التطبيقية

الأمر نفسه ظهر في قطاع السينما.
فالقانون رقم 18.23 المتعلق بالصناعة السينمائية وإعادة تنظيم المركز السينمائي المغربي قدم باعتباره إصلاحا هيكليا للقطاع. لكن الظهير المنفذ للقانون صدر في دجنبر 2024، فيما لم يصادق مجلس الحكومة على مرسوم تطبيق بعض أحكامه إلا في 29 ماي 2025.

هذه المسافة بين الإعلان السياسي، والتشريع، ثم النصوص التطبيقية، تكشف المشكلة التي طبعت عددا من أوراش الوزارة: الإسراع في إنتاج القاعدة القانونية، ثم اكتشاف أن القانون يحتاج إلى منظومة كاملة من المراسيم والمؤسسات والموارد والتوافقات حتى يصبح واقعا.

بنسعيد نجح في إنتاج القوانين.. لكن هل نجح في إنتاج المؤسسات؟

لا يمكن إنكار أن ولاية محمد المهدي بنسعيد اتسمت بحركية تشريعية واضحة.

الصحافة، المجلس الوطني للصحافة، السينما، حقوق المؤلف، الصناعات الثقافية، الألعاب الإلكترونية؛ كلها ملفات دفع بها الوزير إلى واجهة النقاش الحكومي والبرلماني.

لكن المشكلة في تقييم وزير لا تقاس بعدد مشاريع القوانين التي حملها إلى مجلس الحكومة أو دافع عنها داخل البرلمان.

السؤال هو: ماذا بقي منها واقفا على الأرض؟

في الصحافة، امتدت المرحلة المؤقتة وتحول تنظيم المجلس إلى أزمة دستورية وتشريعية.
وفي الدعم، استمرت المواجهة حول شروط الاستفادة وعدالة توزيع المال العمومي.
وفي حقوق المؤلف، واجهت الوزارة اتهامات بالإقصاء وضعف التشاور.
وفي معرض الكتاب، ظل قرار النقل وكلفة الصفقات موضوع مساءلة.
وفي عدد من القوانين القطاعية، استمر البحث عن المراسيم والآليات القادرة على تحويل النص إلى ممارسة.

الوزير الذي يطلب التصويت على “البرنامج” سيواجه حصيلته

حين يقول بنسعيد اليوم لمناضلي الأصالة والمعاصرة إن عليهم إقناع المواطنين بالتصويت على برنامج الحزب وليس لأن “فلانا أو فلانا شخص جيد”، فإنه يضع بنفسه المعيار الذي ينبغي أن تقاس به تجربته الحكومية.
والحصيلة هنا لا تختصر في النوايا ولا في كثرة الندوات وإطلاق الاستراتيجيات.

لقد امتلك بنسعيد ما لا يتوفر لكثير من الوزراء: أغلبية حكومية وبرلمانية مريحة، وغطاء حزبيا قويا، وقطاعات واسعة تسمح له بإطلاق إصلاحات عميقة.
لكن تجربة السنوات الماضية أظهرت حدود نموذج سياسي يقوم على تحرير النصوص بسرعة، والدفاع عنها بقوة، ثم تمريرها بالأغلبية، قبل أن يبدأ الاحتكاك الحقيقي مع الدستور أو المؤسسات أو المهنيين المكلفين بتنزيلها.
لذلك، وقبل أن يقدم حزب الأصالة والمعاصرة نفسه باعتباره حاملا لـ”الأمل الحقيقي”، قد يجد أحد أعضاء قيادته الجماعية نفسه أمام سؤال أبسط وأكثر مباشرة:
كيف يمكن إقناع المغاربة ببرنامج جديد، بينما ما تزال ملفات وقوانين حملها الوزير نفسه خلال الولاية الحالية تبحث، إلى اليوم، عن طريقها من الجريدة الرسمية إلى الواقع؟

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق