بعد أشهر من الجدل والفراغ المؤسساتي.. قانون إعادة تنظيم مجلس الصحافة يدخل حيز التنفيذ
صدر القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة في الجريدة الرسمية للمملكة، منهياً مساراً تشريعياً وسياسياً طويلاً رافقه جدل واسع داخل البرلمان والأوساط المهنية والحقوقية بشأن طريقة تشكيل المجلس الجديد، ومدى استقلاليته، ومستقبل التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة في المغرب.
ويأتي نشر القانون بعد مصادقة مجلس المستشارين عليه في منتصف يونيو 2026، بأغلبية 17 مستشاراً مقابل معارضة سبعة، دون تسجيل أي امتناع عن التصويت، وذلك عقب إقراره سابقاً من طرف مجلس النواب بأغلبية 70 صوتاً مقابل 25.
ويعني نشر النص في الجريدة الرسمية انتقاله من مرحلة المشروع الذي يناقش داخل البرلمان إلى قانون نافذ، تبدأ على أساسه الإجراءات العملية المتعلقة بتشكيل المجلس الوطني للصحافة وانتخاب أو انتداب أعضائه، بعد فترة طويلة تولت خلالها لجنة مؤقتة تدبير شؤون قطاع الصحافة والنشر.
لماذا احتاج المغرب إلى قانون جديد؟
أُحدث المجلس الوطني للصحافة سنة 2016 بموجب القانون رقم 90.13، باعتباره هيئة للتنظيم الذاتي للصحافة، تتولى عدداً من المهام الأساسية، من بينها منح بطاقة الصحافة المهنية، والسهر على احترام أخلاقيات المهنة، والنظر في بعض النزاعات المرتبطة بالممارسة الصحفية، والوساطة بين المهنيين والمؤسسات.
والمقصود بـالتنظيم الذاتي أن يتولى الصحافيون والناشرون، من خلال هيئة مهنية مستقلة، تنظيم جانب من شؤون المهنة بدل إسناد هذه المهمة مباشرة إلى الإدارة الحكومية.
غير أن الولاية الأولى للمجلس انتهت سنة 2022 دون تنظيم انتخابات لتجديد أعضائه. وبعد تمديد ولايته لفترة محدودة، أحدثت الحكومة سنة 2023 لجنة مؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر لمدة عامين، بموجب القانون رقم 15.23.
ومع انتهاء مدة اللجنة المؤقتة وتعذر تجديد المجلس المنتخب، دخل القطاع في وضع مؤسساتي معقد، خصوصاً أن عدداً من الإجراءات المهنية والإدارية، وفي مقدمتها منح بطاقات الصحافة والنظر في الملفات التأديبية، يحتاج إلى وجود هيئة قانونية قائمة.
لذلك قدمت الحكومة مشروعاً جديداً لإعادة تنظيم المجلس، قالت إنه يستهدف معالجة الاختلالات التي كشفت عنها التجربة الأولى، وتوضيح اختصاصات المؤسسة، وتغيير قواعد تشكيلها وحكامتها.
مشروع أول أوقفته المحكمة الدستورية
لم يصل القانون الحالي إلى الجريدة الرسمية من المحاولة الأولى.
فقد كانت الحكومة قد قدمت خلال سنة 2025 مشروع القانون رقم 026.25. وصادق عليه مجلس النواب في 22 يوليوز 2025، ثم وافق عليه مجلس المستشارين دون تعديل في 24 دجنبر من السنة نفسها.
لكن تمت احالة تسع مواد منه على المحكمة الدستورية، قبل إصدار الأمر بتنفيذه، طالبين فحص مدى مطابقتها للدستور، خصوصاً للفصل 28 المتعلق بحرية الصحافة والتنظيم المستقل والديمقراطي للقطاع.
وفي قرارها رقم 261/26، الصادر رسميًا بتاريخ 22 يناير 2026، قضت المحكمة بعدم دستورية بعض مقتضيات النص، ما حال دون إصداره بصيغته الأولى وأعاد الملف إلى المسطرة التشريعية.
ماذا رفضت المحكمة الدستورية؟
تمحورت أهم ملاحظات المحكمة حول التوازن في تمثيل الصحافيين والناشرين داخل المجلس.
كان المشروع الأول يقترح تمثيل فئة الناشرين بتسعة أعضاء، مقابل سبعة أعضاء يمثلون الصحافيين المهنيين. واعتبرت المحكمة أن هذا التفاوت لا يستند إلى مبرر موضوعي، وأنه يخل بالتساوي والتوازن بين الفئتين المهنيتين.
وأكد القرار أن التنظيم الذاتي للصحافة، كما ينص عليه الفصل 28 من الدستور، يجب أن يقوم على أسس ديمقراطية، وأن التركيبة العددية غير المتوازنة يمكن أن تؤثر في طريقة اتخاذ القرارات داخل المجلس. ولذلك صرحت المحكمة بعدم دستورية المقتضى الذي يمنح الناشرين تمثيلية عددية أكبر من الصحافيين.
ولم ترفض المحكمة مبدأ انتداب ممثلي الناشرين في حد ذاته، لكنها شددت على ضرورة إخضاع هذه الآلية لضوابط قانونية تضمن التوازن والشفافية واحترام المبادئ الديمقراطية.
من القانون 026.25 إلى القانون 09.26
بعد قرار المحكمة، أعدت الحكومة مشروعاً جديداً حمل الرقم 09.26، قالت إنه يرتب الآثار القانونية للقرار الدستوري ويصحح المقتضيات التي اعتُبرت مخالفة للدستور.
وصادق مجلس الحكومة على المشروع في فبراير 2026، قبل إحالته على البرلمان. ثم أقره مجلس النواب في 4 ماي، وصادق عليه مجلس المستشارين في يونيو من السنة نفسها.
وأبرزت الحكومة خلال مناقشة النص أن الهدف يتمثل في تحديث تنظيم المجلس، وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية والمسؤولية، وإيجاد توازن بين حماية حرية الصحافة واحترام القواعد المهنية والأخلاقية.
كما قالت إن تجربة المجلس السابقة كشفت عن ثغرات قانونية ومؤسساتية، وإن القانون الجديد يأتي في سياق يعرف تحولات رقمية سريعة وانتشار الأخبار الزائفة وممارسات مهنية تطرح تحديات جديدة أمام الصحافة.
كيف سيتشكل المجلس الجديد؟
يقوم أحد أهم التعديلات على اعتماد التساوي العددي بين الصحافيين والناشرين داخل المجلس، استجابة للملاحظة الأساسية التي أثارتها المحكمة الدستورية.
وبحسب الصيغة التي جرى الدفاع عنها خلال المسار التشريعي، يمثل الصحافيون المهنيون أعضاء ينتخبون من طرف الهيئة الناخبة للصحافيين، بينما يمثل الناشرين أعضاء تنتدبهم المنظمات المهنية وفق قواعد التمثيلية المحددة في القانون.
كما أُلغي الامتياز العددي الذي كان يمنح فئة الناشرين مقعدين إضافيين، واعتمد نظام للتمثيل النسبي للمنظمات المهنية للناشرين. واعتبرت منظمة «المادة 19» أن تحقيق المساواة العددية وإلغاء المقاعد الإضافية من بين التعديلات الإيجابية التي أدخلت على النص.
غير أن الجدل لم ينته عند هذه النقطة، لأن الخلاف المهني والسياسي يتعلق أيضاً بطريقة اختيار ممثلي الناشرين، والمعايير المعتمدة لتحديد تمثيلية منظماتهم.
لماذا أثار رقم معاملات المؤسسات خلافاً؟
من أكثر النقاط إثارة للنقاش اعتماد معايير اقتصادية، من بينها رقم المعاملات وعدد الأجراء، لتحديد التمثيلية المهنية لمنظمات الناشرين.
وترى الحكومة والمدافعون عن القانون أن هذه المعايير تسمح بقياس الوزن الحقيقي للمؤسسات والمنظمات المهنية داخل القطاع، وتجنب منح تمثيلية متساوية لهيئات تختلف بصورة كبيرة من حيث الحجم والنشاط وعدد المستخدمين.
أما المعارضون فيعتبرون أن الاعتماد الكبير على رقم المعاملات قد يمنح المؤسسات الإعلامية الكبرى والمنظمات التي تمثلها نفوذاً أكبر، على حساب الصحف الصغيرة والجهوية والمقاولات الصحفية الناشئة.
وحذرت المعارضة البرلمانية من أن تحويل القوة الاقتصادية إلى معيار للتمثيلية قد يضعف التعددية، ويجعل حضور الناشرين داخل المجلس مرتبطاً بحجمهم المالي أكثر من ارتباطه بالتنوع المهني والتحريري.
وبصيغة مبسطة، يدور الخلاف حول سؤال أساسي: هل ينبغي أن تكون جميع المقاولات الصحفية متساوية في التمثيل، أم أن المؤسسة التي تشغل عدداً أكبر من الصحافيين وتحقق نشاطاً اقتصادياً أوسع يجب أن يكون لها وزن أكبر؟
لجنة للإشراف على الانتخابات والانتدابات
ينص التنظيم الجديد أيضاً على إحداث لجنة تشرف على عمليات انتخاب وانتداب أعضاء المجلس.
وبحسب العرض الحكومي، تتكون اللجنة من قاض يعينه الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية رئيساً، وعضو يعينه المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وعضو يعينه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلى جانب عضوين يعينهما رئيس الحكومة، أحدهما من فئة الناشرين والآخر من فئة الصحافيين المهنيين، من ذوي الخبرة والكفاءة في مجال الصحافة أو النشر.
والغاية المعلنة من هذه اللجنة هي الإشراف المحايد على إعداد اللوائح والعمليات الانتخابية والانتدابات، والحد من النزاعات المتعلقة بالتمثيلية والنتائج.
لكن بعض الهيئات المهنية والحقوقية اعتبرت أن وجود أعضاء يعينهم رئيس الحكومة داخل اللجنة يثير أسئلة بشأن مدى استقلال العملية عن السلطة التنفيذية.
ما المهام التي سيتولاها المجلس؟
لا يقتصر دور المجلس الوطني للصحافة على تمثيل الصحافيين والناشرين. فوجوده يؤثر مباشرة في الحياة المهنية اليومية داخل المؤسسات الإعلامية.
ومن أبرز مهامه:
منح بطاقة الصحافة المهنية وتجديدها، ووضع أو تطبيق قواعد أخلاقيات المهنة، والنظر في الشكايات والنزاعات ذات الصلة بالممارسة الصحفية، والوساطة والتحكيم، والمساهمة في تنظيم العلاقات بين الصحافيين والناشرين، وإبداء الرأي في التشريعات المتعلقة بالصحافة.
كما يرتبط عمله بحماية حقوق الصحافيين، واحترام حق الجمهور في إعلام مهني، ومواجهة بعض التجاوزات التي يمكن أن تمس الحياة الخاصة أو قرينة البراءة أو قواعد التحقق من المعلومات.
ولهذا فإن طبيعة تركيبته واستقلالية أعضائه لا تعد مسألة داخلية تخص المهنيين وحدهم، بل تؤثر في كيفية تنظيم المجال الإعلامي وفي الضمانات المتاحة للصحافيين والمؤسسات والجمهور.
لماذا ترفضه بعض النقابات والهيئات المهنية؟
رغم إدخال تعديلات بعد قرار المحكمة الدستورية، واصل عدد من التنظيمات النقابية والمهنية رفض القانون.
واعتبرت هذه التنظيمات أن الحكومة لم تفتح مشاورات مهنية واسعة بما يكفي، وأن النص لا يؤسس، في نظرها، لمجلس مستقل وتعددي يمثل مختلف مكونات القطاع.
كما اتهمت الحكومة بالالتفاف على روح قرار المحكمة الدستورية، معتبرة أن تصحيح التوازن العددي بين الصحافيين والناشرين لم يعالج باقي الإشكالات المرتبطة بطريقة الانتداب، ومعايير التمثيلية، وتوزيع النفوذ داخل المجلس.
وأثيرت مخاوف بخصوص «المادة 19» تتعلق باستمرار آلية الانتداب في تعيين بعض الأعضاء، وبصلاحيات المجلس التأديبية، وبمحدودية إشراك الصحافيين والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني في إعداد القانون.
كما اثيرت نقطة أن مصداقية أي هيئة للتنظيم الذاتي تعتمد على اقتناع المهنيين بأنها نابعة من القطاع نفسه، وليست مؤسسة مفروضة عليه من أعلى.
هل انتهت حالة الفراغ بمجرد نشر القانون؟
من الناحية القانونية، يوفر نشر النص الأساس اللازم لإعادة تشكيل المجلس. لكن انتهاء الفراغ بصورة فعلية يتطلب استكمال عدد من الإجراءات التطبيقية.
ويشمل ذلك تحديد الهيئة الناخبة للصحافيين، وحصر المنظمات المهنية للناشرين المستوفية لشروط التمثيلية، وتشكيل لجنة الإشراف، ووضع الجدول الزمني للانتخابات والانتدابات، ثم تنصيب المجلس الجديد وانتخاب هياكله.
وبالتالي، لا يعني صدور القانون أن المجلس الجديد أصبح قائماً في اليوم نفسه. بل تبدأ بعد النشر مرحلة تنفيذية قد تحتاج إلى أسابيع أو أشهر، بحسب الآجال والإجراءات المحددة في النصوص القانونية والتنظيمية.
كما سيتعين معالجة الانتقال من اللجنة المؤقتة إلى المجلس الجديد، وضمان استمرار الخدمات المرتبطة ببطاقات الصحافة والملفات المهنية خلال هذه الفترة.
اختبار القانون سيكون في التطبيق
يطوي نشر القانون صفحة من النزاع التشريعي، لكنه لا ينهي الخلاف حول مستقبل التنظيم الذاتي للصحافة في المغرب.
فالاختبار الحقيقي لن يكون فقط في مضمون المواد القانونية، بل في الطريقة التي ستطبق بها: هل ستجري العمليات الانتخابية والانتدابات بشفافية؟ هل ستُمثل الصحافة الصغيرة والجهوية والرقمية؟ وهل سيتمكن المجلس من اتخاذ قراراته باستقلال عن الحكومة والمصالح الاقتصادية الكبرى؟
كما سيُقاس نجاح القانون بمدى قدرة المجلس الجديد على كسب ثقة الصحافيين والناشرين، وحماية أخلاقيات المهنة دون التحول إلى أداة للعقاب أو التضييق، ومعالجة أزمات القطاع الاقتصادية والاجتماعية دون الانحياز إلى طرف مهني على حساب آخر.
لقد أنهى صدور القانون مرحلة الفراغ القانوني، لكنه فتح مرحلة أكثر حساسية: بناء مجلس يتمتع بالشرعية المهنية والاستقلالية والقدرة الفعلية على تنظيم قطاع يعيش تحولات عميقة.
التعاليق