بعد أشهر من الجدل.. مشروع قانون المحاماة يعود إلى مجلس النواب للحسم النهائي
يدخل مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، يوم الخميس 2 يوليوز 2026، مرحلة جديدة قد تكون الأخيرة في مساره التشريعي، بعدما أعلن رئيس لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب عن عقد اجتماع لدراسة المشروع في إطار قراءة ثانية، عقب إحالته من مجلس المستشارين بعد إدخال تعديلات واسعة عليه.
ويأتي هذا الاجتماع في لحظة تتسم بحساسية كبيرة، ليس فقط بسبب طبيعة المشروع الذي أثار واحدة من أكبر الأزمات بين الحكومة وهيئات المحامين خلال السنوات الأخيرة، وإنما أيضا لأنه ينعقد بعد سلسلة من التطورات السياسية والمؤسساتية التي أعادت رسم النقاش حول مستقبل المهنة، وحدود الإصلاح، ومنهجية إعداد التشريعات المهنية.
قراءة ثانية بعد تعديلات جوهرية
عودة المشروع إلى مجلس النواب تعني أن مجلس المستشارين لم يكتف بالمصادقة على النص، بل أدخل عليه تعديلات، الأمر الذي يفرض، وفقا للمسطرة التشريعية، إعادة عرضه على الغرفة الأولى للحسم في الصيغة النهائية.
وخلال مناقشته بمجلس المستشارين، شهد المشروع إدخال تعديلات مست عددا من مواده الأساسية، من بينها رفع السن الأقصى لاجتياز مباراة الأهلية من 45 إلى 50 سنة، وتوسيع الفئات المستفيدة من الإعفاء من التكوين، وإعادة صياغة عدد من المقتضيات المرتبطة بالتأديب، وحكامة الهيئات، والترافع أمام محكمة النقض، وتدبير أموال هيئات المحامين.
وتحدد جلسة الخميس ما إذا كان مجلس النواب سيوافق على هذه التعديلات أو سيعيد التمسك بصيغته السابقة، قبل استكمال باقي مراحل المصادقة.
مشروع قانون تحول إلى أزمة سياسية
منذ تقديمه، لم يكن مشروع قانون المحاماة مجرد نص تنظيمي، بل تحول إلى أحد أكثر مشاريع القوانين إثارة للجدل خلال الولاية الحكومية الحالية.
فبعد أشهر من الحوار بين وزارة العدل وجمعية هيئات المحامين بالمغرب، اعتبرت الأخيرة أن الحكومة تراجعت عن عدد من التوافقات التي تم التوصل إليها خلال المشاورات، وهو ما أدى إلى انتقال العلاقة بين الطرفين من الحوار إلى المواجهة.
وشهدت الأشهر الأخيرة سلسلة من الأشكال الاحتجاجية، شملت مقاطعة الجلسات، والإضرابات، والوقفات الاحتجاجية، كان آخرها الإنزال الوطني أمام البرلمان، حيث أكد المحامون أن اعتراضهم لا يتعلق فقط ببعض المواد، وإنما بمنهجية إعداد القانون، معتبرين أن المشروع انتقل من منطق التوافق إلى منطق الانفراد الحكومي.
في المقابل، دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي عن المشروع، معتبرا أن الحكومة مارست التشاور لكنها غير ملزمة بتبني جميع المقترحات، وأن البرلمان هو المؤسسة صاحبة الاختصاص في الحسم النهائي.
رأي مجلس المنافسة يدخل على الخط
دخل مجلس المنافسة على خط النقاش بإصدار رأي استشاري حول سوق الخدمات القانونية وشروط الولوج إلى المهنة، اعتبر فيه أن عددا من مقتضيات المشروع قد تفرض قيودا غير مبررة على المنافسة.
وأوصى المجلس بإلغاء شرط تحديد السن الأقصى، وتنظيم مباراة الولوج بشكل سنوي، وتقنين واجبات الانخراط داخل الهيئات، واعتماد مرجعيات استرشادية للأتعاب، إضافة إلى رقمنة خدمات المساعدة القضائية، معتبرا أن تنظيم المهنة ينبغي ألا يؤدي إلى خلق وضعية ندرة في سوق الخدمات القانونية.
ورغم أن رأي مجلس المنافسة غير ملزم قانونا، فإنه أضاف بعدا اقتصاديا وتنظيميا للنقاش الذي كان يتركز أساسا على استقلالية المهنة وضماناتها.
لماذا تكتسي جلسة الخميس أهمية خاصة؟
تكمن أهمية الاجتماع المرتقب في أنه يأتي بعد استنفاد معظم مراحل النقاش المؤسساتي.
فالحكومة دافعت عن مشروعها، ومجلس النواب صادق عليه في قراءة أولى، ثم أعاد مجلس المستشارين صياغة عدد من مواده، بينما عبرت جمعية هيئات المحامين عن رفضها للمشروع من خلال احتجاجات متواصلة، قبل أن يصدر مجلس المنافسة رأيه الذي دعا إلى مراجعة عدد من المقتضيات.
وبذلك، يصبح مجلس النواب أمام مهمة الحسم بين ثلاثة اعتبارات متداخلة:
- المحافظة على الفلسفة الأصلية للمشروع الحكومي.
- استيعاب التعديلات التي أدخلها مجلس المستشارين.
- أخذ الانتقادات المهنية والمؤسساتية بعين الاعتبار، دون تعطيل المسار التشريعي.
وبذلك إذا صادقت لجنة العدل والتشريع على المشروع بصيغته المعدلة، فسيحال على الجلسة العامة بمجلس النواب للتصويت النهائي.
أما إذا قرر النواب تعديل بعض المقتضيات مجددا، فستستمر المسطرة التشريعية وفق الآليات الدستورية المنظمة للعلاقة بين مجلسي البرلمان، قبل إحالة النص النهائي على الحكومة لاستكمال مسطرة النشر والتنفيذ.
وبذلك، تبدو جلسة 2 يوليوز محطة مفصلية في مسار مشروع قانون استغرق وقتا طويلا جدا من الإعداد والنقاش، وتحول من مشروع لتنظيم مهنة المحاماة إلى أحد أبرز الملفات التي اختبرت حدود العلاقة بين الحكومة، والبرلمان، والهيئات المهنية، والمؤسسات الدستورية خلال الولاية التشريعية الحالية.
التعاليق