بعد أزمتي هرمز وباب المندب.. بوريطة يقترح مدونة دولية لحماية الممرات البحرية
دعا ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، إلى إطلاق مبادرة دولية لصياغة مدونة سلوك خاصة بالدول المطلة على المضائق والممرات البحرية الاستراتيجية، في محاولة للانتقال من التدخل بعد اندلاع الأزمات إلى وضع قواعد وآليات تساعد على الوقاية منها وحماية حرية الملاحة والتجارة الدولية.
وطرح بوريطة المبادرة، الخميس 17 شتنبر 2026، خلال اجتماع لمجلس الأمن بصيغة “أريا”، نظمته مملكة البحرين بمقر الأمم المتحدة في نيويورك تحت عنوان “بحار آمنة، أمن مشترك: حماية حرية الملاحة في بيئة أمنية متغيرة”.
وتأتي المبادرة المغربية في ظرف أعادت فيه التطورات الأمنية في مضيق هرمز وباب المندب وضع المضائق البحرية في قلب النقاش الدولي، ليس باعتبارها مجرد مساحات بحرية تفصل بين دول، وإنما باعتبارها شرايين تمر عبرها التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وانطلق بوريطة من أزمة مضيق هرمز ليشير إلى وجود فجوة بين القواعد القانونية الدولية والقدرة الفعلية للمجتمع الدولي على منع تعطيل الملاحة. وقال إن الأزمة أظهرت أنه، رغم وجود إطار قانوني، لا يزال المجتمع الدولي يفتقر إلى آليات فعالة للوقاية من الأزمات أو تدبيرها عند وقوعها.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية بعدما أظهرت الأزمات الأخيرة أن تعطيل ممر بحري واحد يمكن أن تمتد آثاره بسرعة إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية والأمن الغذائي والعمليات الإنسانية، فضلا عن تهديد البنيات التحتية المرتبطة بالنقل البحري، من موانئ ومحطات للطاقة ومنشآت لوجستية.
لكن التحول الأبرز، بحسب الطرح المغربي، يتعلق بطبيعة التهديد نفسه. فأمن المضائق لم يعد مرتبطا فقط بالنزاعات بين الدول، بل أصبح عرضة لتحركات فاعلين من غير الدول قادرين على تهديد السفن التجارية أو تعطيل حركة الملاحة في نقاط بحرية شديدة الحساسية.
وتظهر أهمية هذا التحول بشكل واضح في منطقة باب المندب والبحر الأحمر، حيث تحولت حركة السفن التجارية خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى ساحات امتداد الصراعات الإقليمية، فيما زادت التطورات الأخيرة في اليمن من المخاوف المرتبطة بأمن هذا الممر الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
أمام هذه التحولات، اقترح بوريطة إطلاق مبادرة لصياغة “مدونة سلوك” للدول المطلة على المضائق، تقوم على اعتبار إدارة هذه الممرات مسؤولية تتجاوز مفهوم السيادة أو الملكية، بالنظر إلى تأثير أي اضطراب فيها على دول ومناطق بعيدة جغرافيا عن موقع الأزمة.
وتقوم الفكرة، في جوهرها، على البحث عن قواعد مشتركة تؤطر مسؤوليات الدول المشاطئة للممرات البحرية الاستراتيجية وتكرس حرية الملاحة واحترام القانون الدولي، مع تطوير التعاون والوقاية من الأزمات بدل الاقتصار على التحرك العسكري أو الدبلوماسي بعد تعطل حركة السفن.
ويحمل طرح بوريطة بعدا مغربيا مباشرا، بالنظر إلى موقع المملكة على مضيق جبل طارق، أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وهو ما يجعل المغرب، وفق التصور الذي عرضه وزير الخارجية، ليس مجرد دولة مطلة على المضيق، وإنما طرفا يتحمل مسؤولية في ضمان أمنه واستمرار حركة الملاحة عبره.
كما اقترح بوريطة أن تعمل الرباط والمنامة على تطوير النقاش حول المبادرة من خلال منتدى يجمع الدول المعنية بالمضائق البحرية، بما يسمح بتحويل فكرة “مدونة السلوك” من مقترح سياسي إلى مسار للنقاش الدولي.
وتكشف المبادرة عن محاولة لنقل النقاش حول أمن البحار من التعامل المنفصل مع كل أزمة ــ هرمز أو باب المندب أو غيرهما ــ إلى النظر إلى الممرات البحرية باعتبارها شبكة مترابطة، إذ يمكن لتعطل نقطة واحدة منها أن يعيد توجيه السفن ويرفع كلفة النقل والتأمين ويضغط على أسعار الطاقة والسلع في مناطق أخرى من العالم.
غير أن تحويل هذا التصور إلى إطار دولي فعلي يظل مرتبطا بقدرة الدول على التوافق حول حدود المسؤولية والسيادة وآليات التدخل عند تهديد الملاحة، وهي قضايا أظهرت أزمة هرمز نفسها حجم الخلاف بشأنها داخل مجلس الأمن.
فالمجلس تمكن في مارس الماضي من اعتماد قرار يدين محاولات إغلاق أو عرقلة الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز والتهديدات التي تطال أمن الملاحة في باب المندب، لكنه شهد لاحقا خلافات حادة حول كيفية ضمان حرية العبور، خصوصا بشأن منح الدول صلاحيات لاستخدام القوة لتأمين الملاحة.
ومن هنا يطرح المقترح المغربي سؤالا يتجاوز حماية السفن نفسها: هل يمكن بناء نظام وقائي دولي للممرات البحرية يحدد مسبقا قواعد ومسؤوليات الدول المطلة عليها، بدلا من انتظار كل أزمة جديدة للبحث عن تحالف عسكري أو قرار من مجلس الأمن لإعادة فتح طريق بحري تعتمد عليه التجارة العالمية؟
التعاليق