برلمان “العميان”
في سابقة برلمانية لافتة يسقط مشروع قانون استراتيجي من قِبل المحكمة الدستورية وتعيده إلى نقطة الصفر.
قانون المسطرة المدنية الذي قدمه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، وصادقت عليه الأغلبية البرلمانية بلا تردد، بعد ان مر بكل مراحل المسار التشريعي، قالت عنه المحكمة الدستورية “تبين أن المواد التي وقفت عندها بشكل جلي تُخل بمبادئ دستورية جوهرية، وأن الحاجة لا تقتضي فحص باقي المواد، باعتبار أن ما ثبت مخالفته يهدم تماسك القانون برمته.
هذه الحادثة ليست مجرد تعثر تقني في صياغة نص قانوني، بل هي مرآة لواقع سياسي وتشريعي أعمق: برلمان فقد جزءًا من روحه الرقابية، وحكومة تحوّلت في لحظة إلى ماكينة إنتاج نصوص بلا ضمانات دستورية كافية، وأغلبية تحوّل فيها الانضباط الحزبي إلى طاعة عمياء، حيث يُرفع الإصبع للتصويت قبل أن تُرفع العيون لقراءة النصوص بتمعّن.
في تقاليد السياسة البرلمانية، اللجان التشريعية هي عقل البرلمان، حيث تُفكَّك المواد، وتُوزَن بالمبادئ الدستورية، ويُستمع للخبراء. لكن ما جرى هنا يُظهر أن اللجان لم تمارس هذا الدور، بل اكتفت بتكرار نص الحكومة، في مشهد أقرب إلى “إجازة” إدارية منه إلى نقاش سياسي مفتوح. ولعلّها المرة الأولى التي يتحول فيها البرلمان في المغرب الحديث إلى مجرد قناة تمرّ عبرها نصوص السلطة التنفيذية من دون تجاذب أو تعديل جوهري.
هذه الديناميكية غير الصحية تهدد جوهر العمل المؤسسي، لأنها تفتح الباب أمام برلمان خاضع، وأمام نتائج انتخابية يتم التحكم في مخرجاتها، ليس عبر التزوير المباشر، ولكن عبر صناعة أغلبية مكونة من أعيان ورجال أعمال وأصحاب مصالح، لا صلة لهم بالتكوين الحزبي أو النضال السياسي، بل هدفهم النفاذ إلى مراكز القرار لقضاء مصالحهم وحماية شبكاتهم.
النتيجة أن الأحزاب السياسية، التي كان يُفترض أن تكون مدارس لتخريج النخب، تحولت إلى قاعات انتظار، يمر منها المرشحون نحو مقاعد البرلمان، فيما الكفاءات والنخب الفكرية والإدارية تُقصى أو تُهمَّش، لأن حضورها يُربك منطق الولاء للأجهزة الحزبية القائمة على الحسابات الضيقة.
إن علم السياسة حين يدرس صناعة القرار في الدول، يضع الإعلام، والرأي العام، والأحزاب، والبرلمان، والحكومة، في منظومة واحدة تتفاعل فيها القوى لصياغة التشريعات والسياسات. لكن حين تتعطل إحدى هذه الحلقات –كما هو حال البرلمان الآن– يصبح القرار محتكرًا بين يد السلطة التنفيذية، ويُفرَّغ مبدأ فصل السلط من محتواه العملي، حتى لو ظل قائمًا في النصوص.
القضية إذن ليست فقط في مشروع قانون سقط أمام المحكمة الدستورية، بل في صورة مؤسسة تشريعية صارت عاجزة عن ممارسة دورها كاملاً، وفي حكومة تعتبر مرور مشاريعها كما هي انتصارًا سياسياً، وفي مشهد حزبي لم يعد يفرز إلا من يملك المال أو النفوذ، لا من يملك الرؤية أو الكفاءة.
التعاليق