انوار البرلمان
في زمن الحكومتين السابقتين، كان المواطن المغربي قادراً على متابعة النقاشات البرلمانية داخل اللجان القطاعية. جلسات تُبث علناً، يُسمع فيها صوت الوزير وهو يبرّر أو يتهرّب، مثلما يُرى النائب وهو يسائل أو يزايد. لم يكن الأمر مثالياً، لكنه كان نافذة تطلّ منها الناس على ما يجري باسمهم، ويقيسون من خلالها جدّية ممثليهم، ويعرفون اتجاه البوصلة: ماذا أُنجز، وما الذي تعطّل، وأين تكمن الاختلالات.
لكن هذه الحكومة، التي قد تُتقن كل شيء إلا فن السياسة، قرّرت أن تُطفئ تلك الأنوار. أغلقت اللجان، منعت البث، واعتبرت أن النقاش العمومي “ترفٌ” لا حاجة له. لأربع سنوات كاملة، تحوّل البرلمان إلى قاعة صُمّت جدرانها عن المواطنين، حتى بدا أن التمثيل يجري بين النخب نفسها، لا بين الشعب ومن ينوب عنه.
المفارقة أن أول مرة تتجرأ الحكومة على فتح بث مباشر للنقاشات القطاعية، لم تكن بقرار استباقي أو رؤية إصلاحية، بل فقط بعدما اشتعل الشارع وارتفعت الأصوات. حينها فقط تذكّرت أن العلن أفضل من السرّية، وأن التفسير أقل كلفة من الصمت.
ما الذي تعنيه هذه الواقعة؟ أنها ليست مجرد خطأ في التدبير، بل تكشف عقلية سياسية ترى في الشفافية تهديداً لا فرصة، وتعتبر أن التحكم في تدفق المعلومة أضمن من كسب ثقة الناس. لكن النتيجة أمامنا: بلد يزداد فيه الاحتقان، وبرلمان يفقد دوره كمنصة للنقاش العمومي، وحكومة لا تتحرك إلا حين تدفعها ألسنة اللهب.
السياسة ليست فقط قرارات تقنية، بل هي بناء ثقة. والثقة لا تُصنع خلف الأبواب المغلقة، ولا تُشترى عند اشتداد الأزمات. إنها تُبنى بالوضوح، بالمساءلة، وبالإيمان أن المواطن شريك في النقاش، لا متفرج يُستدعى فقط عندما تسوء الأمور.
إن إطفاء الأنوار في البرلمان لم يحجب النقاش عن الناس، بل حجب الحكومة عن السياسة. والآن، بعدما اشتعلت البلاد، صار بث جلسة واحدة يبدو وكأنه تنازل كبير. لكن الحقيقة أبسط: الشفافية ليست منّة من الحكومة، بل حقّ للمغاربة، وشرطٌ أساسي لبقاء السياسة نفسها.
التعاليق