رشيد خالص
رشيد خالص
الثلاثاء 16 دجنبر 2025 - 04:48

المقاولات الصغرى في المغرب… عمود الاقتصاد الذي ينهار بصمت

أعادت جلسة الأسئلة الشفهية الشهرية بمجلس النواب، المنعقدة يوم 15 دجنبر 2025، ملف المقاولات الصغرى والصغيرة جدًا إلى واجهة النقاش السياسي، كاشفةً بالأرقام عن أزمة عميقة تهدد أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني.

فالمقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تمثل 98 في المائة من النسيج المقاولاتي المغربي، لم تعد مجرد فاعل اقتصادي ثانوي، بل أضحت مؤشرًا حاسمًا على صحة الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى دورها المركزي في خلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية، خصوصًا على المستوى المحلي.

افلاس المقاولات… ارقام مقلقة

لغة الأرقام التي عرضها نواب البرلمان خلال الجلسة جاءت صادمة، وتعكس حجم الاختلالات البنيوية التي تعاني منها هذه الفئة من المقاولات. فقد ارتفع عدد المقاولات التي أعلنت إفلاسها بشكل متسارع خلال السنوات الأخيرة:
• 2021: إفلاس 10.500 مقاولة
• 2022: 25.000 مقاولة
• 2023: 33.000 مقاولة
• 2024: 40.000 مقاولة
• 2025: توقعات بإفلاس نحو 50.000 مقاولة

هذه الأرقام لا تعكس فقط فشل وحدات اقتصادية صغيرة، بل تشير إلى نزيف اقتصادي واجتماعي يمتد أثره إلى سوق الشغل والاستقرار الاجتماعي، خاصة وأن ثلاثة أرباع هذه المقاولات تشغل ما بين أجير واحد وخمسة أجراء فقط.

اختناق مالي ودعم غائب

النواب كشفوا أن 70 في المائة من المقاولات الصغرى تعاني من تأخر تسديد مستحقاتها، ما يضعها في وضعية اختناق مالي دائم، ويحد من قدرتها على الاستثمار أو حتى الاستمرار.

في المقابل، أظهرت المعطيات أن 52 في المائة من هذه المقاولات لم تستفد من أي برنامج لدعم أو تقوية القدرات، رغم تعدد البرامج الحكومية المعلنة، وهو ما يطرح تساؤلات حول عدالة الولوج إلى الدعم وفعالية آليات الاستهداف.

مشاكل المقاولات الصغرى مستمرة

النقاش البرلماني أعاد التأكيد على أن مشاكل المقاولات الصغرى ليست ظرفية، بل هيكلية ومتراكمة، من أبرزها:
• صعوبة الولوج إلى التمويل البنكي وشروط الضمان المجحفة.
• غياب الوعاء العقاري الملائم للاستثمار.
• تعقيد المساطر الإدارية والجبائية، وغياب العدالة الضريبية.
• إقصاء فعلي من الصفقات العمومية الكبرى.
• منافسة غير متكافئة مع المقاولات الكبرى ومع القطاع غير المهيكل.
ويرى متابعون أن هذه العوامل مجتمعة تجعل من المقاولة الصغرى الحلقة الأضعف في منظومة اقتصادية تميل كفتها لصالح الفاعلين الكبار.

أسئلة مباشرة لرئيس الحكومة

أمام هذا الوضع، وجه نواب الأمة أسئلة مباشرة لرئيس الحكومة حول:
• حصيلة السياسات العمومية الموجهة للمقاولات الصغرى.
• مدى تقدم برامج المواكبة والتمويل.
• استراتيجية الحكومة للحد من موجة الإفلاس المتصاعدة.
• أسباب تأخر تنزيل قانون تبسيط المساطر الإدارية، واستمرار أعطاب الرقمنة والفساد الإداري.

رؤية حكومية… بين الطموح والواقع

في المقابل، أكد رئيس الحكومة أن تأهيل النسيج المقاولاتي يشكل أحد أعمدة البرنامج الحكومي، مشيرًا إلى التزام الحكومة بدعم المبادرة الخاصة، وإدماج القطاع غير المهيكل، وإصلاح النظام الجبائي، وتحسين مناخ الأعمال.

غير أن الفجوة بين الخطاب والواقع، كما عكسته مداخلات النواب، تطرح سؤالًا جوهريًا:
هل ما زالت المقاولة الصغرى في قلب السياسات العمومية، أم أنها تدفع ثمن نموذج تنموي يفضل الاستثمارات الكبرى على الاقتصاد المحلي؟

ماذا بعد ؟

التحذير الذي خرجت به جلسة البرلمان واضح: إن استمرار انهيار المقاولات الصغرى لا يعني فقط فقدان وحدات إنتاجية، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي وفرص الشغل والنمو الشامل.

فإنقاذ هذا “العمود الفقري” للاقتصاد المغربي لم يعد ترفًا سياسيا، بل ضرورة استعجالية، تتطلب قرارات جريئة، وإصلاحات عملية، ونقل الدعم من منطق الإعلان إلى منطق الأثر الملموس.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق