المغرب ينتقل من استضافة المناورات إلى صناعة الجاهزية الدفاعية بشراكة مع امريكا
وقّع المغرب والولايات المتحدة، الاثنين، مذكرة تفاهم لإحداث مركز إفريقي مشترك متعدد المجالات للتكوين والتجريب العسكري بالمملكة، في خطوة تنقل التعاون الدفاعي بين البلدين من تنظيم المناورات والتداريب الدورية إلى بناء مؤسسة دائمة موجهة لتأهيل القوات الإفريقية واختبار التقنيات والعقائد العملياتية الجديدة.
وجرى توقيع المذكرة بمقر القيادة الأمريكية لإفريقيا في شتوتغارت بألمانيا، بين الفريق أول محمد بريظ، المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والفريق داغفين أندرسون، قائد «أفريكوم»، في إطار تنفيذ خارطة طريق التعاون الدفاعي المغربي الأمريكي للفترة 2026-2036.
وبحسب القيادة الأمريكية لإفريقيا، سيحمل المشروع اسم Africa Multidomain Training and Experimentation Center – AMTEC، وسيضم ثلاثة مكونات رئيسية: فضاء للتدريب متعدد المجالات، وأكاديمية للطائرات دون طيار، ومركزا للابتكار والتجريب.
ماذا يعني «التدريب متعدد المجالات»؟
لا يتعلق المشروع بإحداث مركز تقليدي لتدريب الجنود على الأسلحة أو التحركات البرية فقط.
مصطلح «متعدد المجالات» يشير إلى تدريب القوات على العمل بصورة منسقة في البر والجو والبحر والفضاء السيبراني والمجال الكهرومغناطيسي، مع دمج الطائرات دون طيار والاستخبارات والاتصالات والقيادة الرقمية داخل عملية عسكرية واحدة.
فالحروب الحديثة لم تعد تقوم على مواجهة وحدات برية منفصلة، بل على قدرة الجيش على جمع المعلومات وتحليلها بسرعة، وربط الوحدات الجوية والبرية والبحرية، ومواجهة الهجمات الإلكترونية والتشويش، واستعمال الطائرات المسيرة في الاستطلاع أو الدعم العملياتي.
ومن هذه الزاوية، فإن إحداث أكاديمية خاصة بالدرون ومركز للابتكار والتجريب يكشف أن المشروع يستهدف نقل التدريب العسكري في إفريقيا من النماذج التقليدية إلى بيئة أقرب إلى طبيعة التهديدات الحالية.
مناورات «الأسد الإفريقي» تتحول إلى بنية دائمة
يأتي المركز الجديد امتداداً لتعاون عسكري طويل بين المغرب والولايات المتحدة، تتصدره مناورات الأسد الإفريقي، التي تعد أكبر تدريب سنوي تنظمه القيادة الأمريكية في القارة.
وخلال دورة 2026، وصفت «أفريكوم» المناورات بأنها أول تدريب مشترك ومتعدد المجالات بهذا الحجم في إفريقيا، وشملت عمليات قيادة مشتركة وتدريبات برية وجوية وبحرية وسيبرانية بمشاركة دول متعددة.
لكن المناورات، مهما بلغت أهميتها، تبقى مرتبطة بموعد سنوي ومدة زمنية محددة.
أما المركز الجديد، فيراد له أن يكون بنية دائمة تسمح بتنظيم دورات تدريبية وتجارب تقنية وبرامج تأهيل على مدار السنة لفائدة القوات المغربية والأمريكية وشركاء أفارقة.
وبذلك، ينتقل المغرب من بلد يستضيف تمريناً عسكرياً دولياً إلى بلد يحتضن منصة قارية لإنتاج التدريب والعقيدة والخبرة العملياتية.
لماذا اختارت واشنطن المغرب؟
الاختيار يرتبط بعدة عوامل متراكمة، أولها مستوى التعاون العسكري القائم بين القوات المسلحة الملكية والجيش الأمريكي، والذي يشمل المناورات المشتركة وتبادل الخبرات والتدريب والتجهيز والتخطيط.
وثانيها موقع المغرب الجغرافي بين المتوسط والأطلسي وقربه من منطقة الساحل وغرب إفريقيا، حيث تتزايد التهديدات المرتبطة بالجماعات المسلحة والتهريب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
أما العامل الثالث، فيتعلق بقدرة القوات المسلحة الملكية على استضافة مناورات واسعة تجمع قوات من دول متعددة، وتوفير ميادين تدريب وبنيات لوجستية وقيادة مشتركة.
مركز لخدمة الدول الإفريقية
المعطيات المعلنة تتحدث عن مركز مشترك للتكوين والتجريب موجه إلى الدول الإفريقية الشريكة، ولا تتحدث عن إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية مستقلة في المغرب.
فالقاعدة العسكرية تعني عادة وجوداً دائماً لقوات أجنبية ومنشآت خاضعة لقيادتها المباشرة، بينما يقوم المشروع المعلن على شراكة مغربية أمريكية لإدارة فضاء تدريبي وابتكاري داخل المملكة.
وسيظل تقييم طبيعته الفعلية مرتبطا بالتفاصيل التي لم تنشر بعد، مثل موقع المركز، ونظام إدارته، وحجم الحضور الأمريكي، والميزانية، والدول التي ستستفيد من برامجه.
لكن الصيغة المعلنة تضع المغرب في موقع الشريك المضيف والمؤسس، وليس مجرد أرض تستعملها القوات الأمريكية.
أكاديمية للدرون.. استجابة لحرب تغيرت قواعدها
إدراج أكاديمية للطائرات دون طيار ضمن المشروع ليس تفصيلا تقنيا، فالدرون تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم أسلحة الحروب الحديثة، سواء في الاستطلاع والمراقبة أو استهداف المواقع أو حماية الحدود أو دعم القوات البرية.
كما تستعمل الجماعات المسلحة طائرات تجارية منخفضة الكلفة في التصوير وجمع المعلومات وأحياناً إلقاء المتفجرات، ما يفرض على الجيوش الإفريقية امتلاك قدرات مضادة للطائرات المسيرة، وليس فقط القدرة على استعمالها.
ومن المنتظر أن تشمل وظائف الأكاديمية التدريب على التشغيل والصيانة والتخطيط وجمع المعلومات، إلى جانب اختبار وسائل الرصد والتشويش والتصدي للطائرات المعادية.
وهذا يمنح المشروع بعدا يتجاوز التدريب العسكري الكلاسيكي نحو تطوير خبرة إفريقية في أحد أسرع مجالات التكنولوجيا الدفاعية نموا.
ما هو دور مركز الابتكار والتجريب.. ؟
يتيح مركز التجريب اختبار معدات وتكنولوجيات وعقائد عملياتية قبل اعتمادها على نطاق واسع.
قد يشمل ذلك أنظمة الاتصال، ومنصات القيادة والسيطرة، والطائرات دون طيار، ووسائل الاستطلاع، والحماية السيبرانية، وأنظمة المحاكاة، والحلول المخصصة للعمل في البيئات الصحراوية والساحلية.
وتكمن أهمية هذا الجزء في أن المعدات العسكرية لا تعمل بالكفاءة نفسها في جميع البيئات.
ماذا يستفيد المغرب؟
أول مكسب هو تعزيز جاهزية القوات المسلحة الملكية والوصول المباشر إلى أساليب التدريب والتخطيط والتجريب الأمريكية.
كما يمكن للمركز أن يساهم في رفع مستوى التشغيل البيني، أي قدرة القوات المغربية على العمل إلى جانب القوات الأمريكية وقوات الدول الشريكة باستعمال إجراءات واتصالات وعقائد متقاربة.
ويمنح المشروع المغرب أيضا موقعاً مؤسساتياً داخل هندسة الأمن الإفريقي، بحيث يصبح جزء من تدريب الجيوش الإفريقية وبناء قدراتها يمر عبر منشآت موجودة داخل المملكة.
سياسيا، يدعم ذلك الاستراتيجية المغربية التي تقوم على تقديم المملكة شريكا إفريقيا يوفر التدريب والخبرة والأمن، بدلا من الاكتفاء بعلاقات ثنائية تقليدية.
أما اقتصاديا وتكنولوجيا، فقد يفتح المركز فرصا أمام شركات ومؤسسات مغربية في مجالات الصيانة، والمحاكاة، والبرمجيات، والطائرات المسيرة، والاتصالات، والخدمات اللوجستية، شريطة ألا يظل المحتوى التقني مستوردا بالكامل.
ماذا تستفيد الولايات المتحدة؟
بالنسبة إلى واشنطن، يوفر المركز شريكا مستقرا وموقعا يسمح بتدريب قوات إفريقية دون الحاجة إلى إنشاء وجود عسكري أمريكي واسع في كل دولة.
كما يتيح لـ«أفريكوم» بناء شبكات تعاون مع الجيوش الإفريقية، وتعزيز استعمال المعايير والمعدات والعقائد الأمريكية، في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع روسيا والصين وتركيا وقوى أخرى داخل سوق الأمن والتسليح بالقارة.
لذلك يحمل المشروع بعدا استراتيجيا وصناعيا، إلى جانب بعده الأمني.
الساحل في خلفية الاتفاق
يصعب فصل المركز الجديد عن التحولات التي تعرفها منطقة الساحل، فقد توسعت الجماعات المرتبطة بتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، بينما تراجعت قدرة بعض الدول على مراقبة حدودها، وتوترت علاقات حكومات عسكرية في المنطقة مع فرنسا والولايات المتحدة.
في هذا السياق، تبحث واشنطن عن شركاء قادرين على تقديم التدريب وبناء القدرات من مواقع مستقرة وقريبة من مناطق التهديد.
ويمنح موقع المغرب وإمكاناته العسكرية والدبلوماسية فرصة للقيام بهذا الدور، خاصة في ارتباطه بالمبادرة الأطلسية الموجهة إلى دول الساحل وبسياسته الإفريقية الأوسع.
شراكة استراتيجية بأسئلة مشروعة
يمثل الاتفاق ترقية واضحة لمكانة المغرب في التعاون العسكري الأمريكي بإفريقيا، لكنه يثير أيضا أسئلة تحتاج إلى توضيح مع تقدم المشروع.
من سيمول المركز؟ ومن سيحدد برامجه؟ وما طبيعة المعدات التي ستختبر داخله؟ وهل ستكون نتائجه وابتكاراته مملوكة بصورة مشتركة؟ وما حجم استفادة الصناعة الدفاعية والجامعات والمهندسين المغاربة؟
كما يطرح المشروع سؤال السيادة التقنية.
فالمكسب الحقيقي للمغرب لن يكون فقط استضافة التدريبات، بل اكتساب المعرفة والقدرة على تطوير حلول محلية، خصوصا في الطائرات دون طيار والأمن السيبراني وأنظمة القيادة.
أما إذا اقتصرت الوظيفة على توفير الأرض والبنية اللوجستية لتطبيق برامج وتقنيات جاهزة، فسيظل العائد الاستراتيجي أقل من الطموح المعلن.
التعاليق