المغرب ينتزع مكانة متقدمة داخل واحدة من أكثر الصناعات انغلاقاً في العالم
تمكّن المغرب، خلال العقدين الأخيرين، من فرض اسمه داخل خارطة الصناعات الجوية العالمية، في قطاع يُعرف بانغلاقه الشديد واشتراطه أعلى معايير الجودة والدقة التكنولوجية. فبعد مسار طويل من الاستقطاب الصناعي والرهان على التكوين والابتكار، أصبحت المملكة اليوم مركزاً مهماً في سلاسل التوريد الدولية للطائرات المدنية والعسكرية.
وتشير المعطيات المتوفّرة إلى أن قطاع الطيران بالمغرب يشغّل حالياً حوالي 26 ألف شخص ما بين مهندسين وتقنيين وكابليين، يشتغل جزء كبير منهم داخل منصة MidParc بالقرب من مطار محمد الخامس الدولي، التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى قطب صناعي يستقطب كبريات الشركات العالمية.
وتضم المنطقة الصناعية المذكورة مصنعين لشركات عالمية رائدة مثل Boeing وSafran وBombardier وHexcel وCollins Aerospace، حيث يجري تصنيع أجزاء دقيقة للطائرات، ومكونات خاصة بالمحركات، وأجزاء مركّبة متطورة تعتمد على تكنولوجيا المواد خفيفة الوزن.
اختراق المغرب لهذا القطاع لم يكن وليد صدفة، بل ثمرة رؤية صناعية واضحة انطلقت مطلع الألفية، اعتمدت على أربعة مرتكزات أساسية.
أول هذه المرتكزات كان الدبلوماسية الاقتصادية التي لعبت دوراً أساسياً في استقطاب أولى الاستثمارات، عبر مفاوضات ثنائية مع المصنعين العالميين لإقناعهم بنقل جزء من سلاسل الإنتاج إلى المملكة، مستفيدين من القرب الجغرافي من أوروبا والاستقرار المؤسساتي.
أما المرتكز الثاني فيتمثل في تأهيل الرأسمال البشري، من خلال إنشاء معاهد متخصصة مثل معهد مهن الطيران (IMA)، وتطوير شراكات مع جامعات ومدارس هندسة وطنية ودولية، ما جعل اليد العاملة المغربية من بين الأكثر طلباً في هذا القطاع.
كما اعتمد المغرب على تحسين مناخ الأعمال وتوفير حوافز ضريبية ولوجيستية عبر المناطق الحرة وتطوير البنيات التحتية، ثم الانتقال لاحقاً إلى مرحلة أعلى من سلسلة القيمة عبر تشجيع التصنيع المتقدم وتطوير المواد المركبة.
وتشير تقارير مهنية إلى أن المغرب بات يضم أكثر من 140 شركة متخصصة في الطيران، بنسبة اندماج محلي تصل إلى 40 في المائة، فيما بلغت صادرات القطاع 22 مليار درهم سنة 2024، نحو أسواق تمتد إلى أكثر من 70 دولة.
ويؤكد خبراء أن قوة النمو المغربي تعود إلى الاستقرار السياسي، وجودة اليد العاملة، وتطور البنية الصناعية، ما جعل المملكة شريكاً موثوقاً في زمن تعرف فيه سلاسل الإنتاج العالمية اضطرابات متكررة.
ويرى عدد من المتخصصين أن المغرب بات قريباً من الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً داخل الصناعة الجوية، عبر توسيع إنتاج المواد المركبة عالية التقنية، واستقطاب مصانع جديدة للمحركات، والاستثمار في الرقمنة والذكاء الاصطناعي الموجه للإنتاج الصناعي.
ويذهب بعض الخبراء إلى أن المملكة قد تكون أمام إمكانية تطوير طائرة خفيفة مغربية الصنع خلال السنوات المقبلة، إذا استمر الاستثمار في البحث والتطوير وارتفعت نسبة الاندماج المحلي.
التعاليق