المغرب يعمّق ارتهانه للأسواق الدولية لتأمين غذائه باستيراده 11 مليون طن من الحبوب
كشفت معطيات حديثة حول واردات الحبوب بالمغرب أن المملكة استوردت ما يناهز 11.09 ملايين طن من الحبوب ومشتقاتها بين يونيو 2025 وماي 2026، في مؤشر جديد على تزايد اعتماد البلاد على الأسواق الدولية لتأمين حاجياتها الغذائية والعلفية، في ظل استمرار تداعيات الجفاف وتراجع الإنتاج الوطني.
وتبرز الأرقام المسجلة خلال الموسم الفلاحي الحالي حجم التحديات التي تواجه الأمن الغذائي المغربي، حيث أصبحت الواردات تشكل ركيزة أساسية لضمان تموين السوق الداخلية بالحبوب، سواء الموجهة للاستهلاك البشري أو لإنتاج الأعلاف الخاصة بقطاعي تربية الماشية والدواجن.
ويتصدر القمح اللين قائمة المنتجات المستوردة بحجم بلغ 5.13 ملايين طن، أي ما يمثل نحو 46 في المائة من إجمالي واردات الحبوب، ما يعكس استمرار اعتماده كأحد أهم المواد الأساسية في النظام الغذائي للمغاربة.
كما سجلت واردات الذرة ارتفاعا لافتا لتصل إلى 3.75 ملايين طن، أي ما يعادل 34 في المائة من إجمالي الواردات، مدفوعة بالطلب المتزايد من قطاع الدواجن وصناعة الأعلاف الحيوانية، فيما بلغت واردات القمح الصلب حوالي 1.23 مليون طن، بينما تراجعت واردات الشعير إلى 529 ألف طن فقط.
وتؤكد هذه المعطيات استمرار الضغوط التي يفرضها الجفاف المتكرر على القطاع الفلاحي المغربي، حيث لم تعد المحاصيل الوطنية قادرة على تغطية حاجيات السوق الداخلية، ما يدفع السلطات والفاعلين الاقتصاديين إلى اللجوء بشكل متزايد إلى الاستيراد.
وعلى مستوى مصادر التوريد، حافظت فرنسا على موقعها كأول مزود للمغرب بالقمح اللين، بعدما صدرت نحو 3.55 ملايين طن، إلى جانب كميات مهمة من الشعير تجاوزت 392 ألف طن.
كما عززت الأرجنتين مكانتها ضمن كبار الموردين للمملكة، من خلال تصدير أكثر من 653 ألف طن من القمح اللين وحوالي 1.85 مليون طن من الذرة، في حين واصل البرازيل والولايات المتحدة منافستهما القوية في سوق الذرة.
أما القمح الصلب، فقد واصل خضوعه لهيمنة كندية شبه مطلقة، بعدما وفرت كندا كامل الكميات المستوردة التي بلغت 1.23 مليون طن، فيما سجلت روسيا حضورا محدودا نسبيا في سوق القمح اللين والقمح العلفي.
وفي الجانب اللوجستي، كرّس ميناء الدار البيضاء موقعه كبوابة رئيسية لواردات الحبوب بالمغرب، بعدما استقبل لوحده نحو 6.84 ملايين طن من الحبوب، من بينها أكثر من 3.19 ملايين طن من القمح اللين.
وجاء ميناء الجرف الأصفر في المرتبة الثانية بحوالي 2.4 مليون طن، متبوعا بميناء أكادير الذي استقبل أكثر من مليون طن، بينما توزعت الكميات المتبقية بين موانئ الناظور وآسفي وطنجة المتوسط.
وتظهر المقارنة مع الموسم السابق ارتفاعا إجماليا في واردات الحبوب بنسبة 9 في المائة، بعدما انتقلت من 10.16 ملايين طن إلى 11.09 ملايين طن.
ويعزى هذا الارتفاع أساسا إلى القفزة الكبيرة التي سجلتها واردات الذرة، والتي ارتفعت بنسبة 27 في المائة، أي بزيادة تفوق 805 آلاف طن، فيما ارتفعت واردات القمح الصلب بنسبة 15 في المائة، والقمح اللين بنسبة 4 في المائة.
في المقابل، سجلت واردات الشعير تراجعا حادا بلغت نسبته 40 في المائة، ما يعكس تحولات في بنية الطلب على الأعلاف وبدائل التغذية الحيوانية.
ولا يقتصر اعتماد المغرب على الأسواق الدولية في مجال الحبوب فقط، بل يمتد أيضا إلى المواد الأولية الموجهة لصناعة الأعلاف، حيث بلغت واردات كسب الصوجا حوالي 966 ألف طن، تصدرتها الولايات المتحدة والأرجنتين، إلى جانب واردات مهمة من كسب عباد الشمس ولب الشمندر الجاف ومخلفات الذرة الصناعية.
ويرى متابعون أن هذه الأرقام تعكس هشاشة الميزان الغذائي الوطني أمام التقلبات المناخية والأسعار العالمية، خاصة في ظل توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية، وهو ما يطرح تحديات متزايدة أمام السياسات العمومية المرتبطة بالأمن الغذائي وتقليص التبعية للخارج.
كما تعيد هذه المعطيات النقاش حول ضرورة تسريع تنزيل الاستراتيجيات المرتبطة بتطوير الإنتاج الزراعي الوطني، وتحسين مردودية الحبوب، وتعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي، لتقليص تأثير الصدمات الخارجية على السوق المحلية وضمان استقرار التموين والأسعار على المدى المتوسط والبعيد.
التعاليق