المغرب يبدأ استكشاف الفرشات المائية العميقة جدا لأكثر من 1000 متر
شرع المغرب في استكشاف أحد أكثر الملفات حساسية في تدبير موارده المائية، بعدما أعلنت وزارة التجهيز والماء عن إطلاق عمليات حفر عميقة تتجاوز 1000 متر في عدة جماعات بجهة العيون، بهدف دراسة “الفرشة المائية العميقة” بالصحراء وتحديد إمكاناتها المستقبلية في تأمين مياه الشرب بالمناطق الجافة.ويأتي هذا التحرك في سياق الضغط المتزايد على الموارد التقليدية، إذ تعتمد مدن العيون والداخلة حالياً على مزيج من نقل المياه، والتحلية، وإزالة الأملاح، بينما تبقى الموارد الطبيعية محدودة للغاية. ويُعدّ حوض فم الواد عند مصب وادي الساقية الحمراء آخر مصدر سطحي يزوّد العيون، إلى جانب محطات التحلية القائمة.وتشير المعطيات التقنية إلى أن الفرشة العميقة بالصحراء ما تزال “مجهولة تقريباً”، باستثناء عمليات حفر تمت قبل سنوات بين عمق 500 و750 متراً، وكشفت عن ملوحة متوسطة تصل إلى 2.6 غرام في اللتر، ما يجعل استغلالها في حاجة إلى وحدات تحلية إضافية. كما تُظهر الخرائط الجيولوجية أن الطبقات المائية تزداد عمقاً كلما اتجهنا غرباً، لتبلغ نحو 1500 متر قرب بوجدور، مع تغير واضح في درجات الملوحة وانتشار أفضل في الجنوب.ويؤكد خبراء القطاع أن استكشاف هذه الموارد يتطلب تقنيات مستخدمة في قطاع النفط والغاز، مثل المسح الزلزالي وتحليل البيانات التاريخية لاختيار مواقع الحفر، وهي عمليات مكلفة للغاية، لكنها قد تمثل بديلاً أقل تكلفة من توسيع محطات التحلية على المدى البعيد، خاصة إذا تم الاعتماد على الطاقات المتجددة في ضخ المياه من العمق.ويرى مختصون أن المياه الأحفورية العميقة تمثل “احتياطاً استراتيجياً” ينبغي عدم تجاهله، خصوصاً في ظل التغيرات المناخية وتراجع التساقطات. وتُقدّم تجارب دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أمثلة مشابهة؛ فالأردن يترك سنوياً حوالي 200 مليون متر مكعب من المياه العميقة تتجه نحو البحر الميت دون استغلال، فيما استثمرت السعودية مليارات الريالات لاستعمال المياه الأحفورية قبل أن تتراجع عن ذلك سنة 2016 خشية نضوبها.وفي المغرب، أدى الاستغلال غير المنظم للفرشات السطحية إلى تملّح عدد كبير من الآبار وتراجع مستويات المياه، ما يجعل البحث عن بدائل أمراً ضرورياً. ويؤكد المتخصصون أن الدولة تظل الجهة الوحيدة القادرة مالياً وقانونياً على الإشراف على هذه المشاريع، ووضع ضوابط دقيقة لاستغلال المياه غير المتجددة ومنع استنزافها.ويعدّ استكشاف الفرشات العميقة خطوة أولى لفتح “الخزان المائي الأخير” في البلاد، لكن نتائج الحفر والدراسات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مدى صلاحية هذه الموارد للشرب ومدى إمكانية استغلالها بشكل مستدام دون الإضرار بالاحتياطي المستقبلي.
التعاليق