إفادة
إفادة
الإثنين 13 يوليو - 10:00

المغرب بسرعتين.. ثلاث جهات تنتج 58% من الثروة والفوارق الاقتصادية تتسع

تكشف الحسابات الجهوية لسنة 2024 عن مفارقة في الاقتصاد المغربي: جهات تنمو بسرعة وتستقطب الصناعة والاستثمار والخدمات، مقابل جهات لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة أو أنشطة أولية محدودة القيمة المضافة. والنتيجة أن الاقتصاد الوطني حقق نموا بنسبة 4,4 في المائة، لكن الفوارق في إنتاج الثروة بين الجهات اتسعت بدل أن تتقلص.
فحسب معطيات الحسابات الجهوية، بلغ الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب، بالأسعار الجارية، نحو 1614,57 مليار درهم سنة 2024، بزيادة قدرها 8,7 في المائة مقارنة بسنة 2023. غير أن توزيع هذه الثروة على الخريطة يكشف تمركزا شديدا حول ثلاثة أقطاب اقتصادية كبرى. وتؤكد المعطيات المنشورة حول الحسابات الجهوية ارتفاع متوسط الفارق المطلق في الناتج بين الجهات من 83,6 مليار درهم سنة 2023 إلى 90,9 مليار درهم سنة 2024.

الدار البيضاء تنتج وحدها ثلث اقتصاد المغرب

لا تزال جهة الدار البيضاء-سطات خارج المنافسة تقريبا، فالجهة أنتجت وحدها 32,3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الوطني، أي ما يقارب ثلث الثروة التي ينتجها المغرب.
وتأتي الرباط-سلا-القنيطرة في المرتبة الثانية بحصة تبلغ 15,5 في المائة، ثم طنجة-تطوان-الحسيمة بنسبة 10,7 في المائة.
وبجمع الجهات الثلاث، يتبين أن 58,4 في المائة من الثروة الوطنية تنتج داخل ثلاثة مجالات ترابية فقط.
الأمر ليس جديدا بالكامل؛ ففي سنة 2023 كانت الجهات الثلاث نفسها تولد 58,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يؤكد أن تمركز النشاط الاقتصادي حول محور الدار البيضاء والرباط وطنجة أصبح سمة هيكلية للاقتصاد المغربي، وليس مجرد نتيجة ظرفية لسنة واحدة.
لكن داخل هذا الثلاثي، بدأت تظهر حركة تستحق الانتباه.
طنجة تقترب من الرباط.. ولكن باقتصاد مختلف
الرباط لا تزال ثاني أكبر جهة اقتصاديا بحصة 15,5 في المائة من الناتج الوطني، مقابل 10,7 في المائة لطنجة.
الفارق لا يزال مهما، لكنه يحتاج إلى قراءة طبيعة الاقتصاد الذي تنتجه كل جهة.
اقتصاد الرباط-سلا-القنيطرة يستفيد من الوزن الكبير للخدمات العمومية والإدارية، إلى جانب الفلاحة والصناعة والخدمات.
أما طنجة-تطوان-الحسيمة، فتتقدم أساسا بفضل الصناعة التحويلية والخدمات.
في سنة 2024، نما اقتصاد طنجة بنسبة 4,9 في المائة، أي أسرع من المتوسط الوطني البالغ 4,4 في المائة، بينما سجلت الرباط نموا في حدود 3,5 في المائة.
والأهم أن الأنشطة الثانوية، التي تشمل الصناعة والمناجم والكهرباء والماء والبناء، تمثل 33,7 في المائة من اقتصاد جهة طنجة.
كما تنتج الجهة 14 في المائة من القيمة المضافة الوطنية للقطاع الثانوي.
هذه الأرقام تجعل طنجة ثاني قطب صناعي للمغرب بعد الدار البيضاء.
فجهتا الدار البيضاء وطنجة تنتجان معا 59,9 في المائة من القيمة المضافة الصناعية والثانوية للمملكة.
وهنا تظهر طبيعة التحول: الرباط تتقدم حاليا على طنجة من حيث الحجم الإجمالي للاقتصاد، لكن طنجة تبني جزءا أكبر من توسعها على قاعدة صناعية مرتبطة بالمصانع واللوجستيك والتصدير والخدمات المصاحبة.

ثماني جهات تنمو أسرع من المغرب

الأرقام تحمل مفارقة أخرى، فالدار البيضاء، رغم إنتاجها ثلث الثروة الوطنية، لم تكن أسرع الجهات نموا سنة 2024.
فهناك ثماني جهات سجلت نموا يفوق المعدل الوطني، حيث تصدرت العيون-الساقية الحمراء القائمة بنسبة 7,6 في المائة، تليها الداخلة-وادي الذهب بـ7 في المائة، ثم سوس-ماسة بـ6,8 في المائة، ودرعة-تافيلالت بـ6,2 في المائة، والشرق بـ5,9 في المائة، ومراكش-آسفي بـ5,1 في المائة، وطنجة-تطوان-الحسيمة بـ4,9 في المائة، ثم كلميم-واد نون بـ4,6 في المائة، أما الدار البيضاء فسجلت نموا بنسبة 4,3 في المائة.
هذا يعني أن الجهات الصغيرة يمكنها تحقيق نسب نمو مرتفعة، لكن ذلك لا يغير بسرعة وزنها داخل الاقتصاد الوطني.
فالداخلة، مثلا، سجلت نموا بنسبة 7 في المائة، لكنها تنطلق من قاعدة اقتصادية أصغر بكثير من الدار البيضاء.
ولتوضيح الأمر، فإن إضافة 7 في المائة إلى اقتصاد صغير قد تنتج قيمة مالية أقل بكثير من نمو اقتصاد ضخم بنسبة 4 في المائة.
لذلك يجب التمييز بين سرعة النمو وحجم الاقتصاد.

الفوارق تتسع رغم نمو الجهات

هنا توجد الخلاصة الأكثر أهمية في أرقام 2024، فمتوسط الفارق المطلق بين الناتج الداخلي الإجمالي للجهات ومتوسط الناتج الجهوي ارتفع من 83,6 مليار درهم سنة 2023 إلى 90,9 مليار درهم سنة 2024.
بمعنى أبسط، المسافة الاقتصادية بين الجهات أصبحت أكبر، وقد يبدو ذلك متناقضا مع تسجيل معظم الجهات نسب نمو إيجابية.
لكن السبب أن النمو لا يوزع بالقيمة نفسها، فعندما ينمو اقتصاد الدار البيضاء، الذي يمثل 32,3 في المائة من الاقتصاد الوطني، بنسبة 4,3 في المائة، فإنه يضيف كتلة ضخمة من الثروة.
أما جهة تمثل 2 أو 3 في المائة من الناتج الوطني، فقد تحقق نموا بنسبة 7 في المائة، ومع ذلك تبقى القيمة المضافة الجديدة التي تنتجها أقل.
وهكذا يمكن للجهات الصغيرة أن تنمو أسرع، بينما تستمر الفجوة المطلقة بينها وبين الأقطاب الكبرى في الاتساع.

خريطة الاقتصاد المغربي تكشف ثلاث سرعات

عند تفكيك الأرقام قطاعيا، تظهر ثلاث خرائط اقتصادية مختلفة داخل المغرب.

هناك أولا المغرب الصناعي.
يتركز أساسا في الدار البيضاء وطنجة. فالدار البيضاء تنتج وحدها 45,9 في المائة من القيمة المضافة الوطنية للقطاع الثانوي، وطنجة 14 في المائة.

هناك ثانيا مغرب الخدمات والإدارة والسياحة.
الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة تنتج مجتمعة 66,2 في المائة من القيمة المضافة الوطنية للقطاع الثالث.

ثم هناك المغرب الفلاحي والأولي.
في فاس-مكناس، تمثل الأنشطة الأولية 24,6 في المائة من اقتصاد الجهة. وتصل النسبة إلى 19,3 في المائة بدرعة-تافيلالت، و17,3 في المائة بالداخلة، و17,1 في المائة بسوس-ماسة.
هذه البنية تفسر جزئيا اختلاف مسارات النمو.
فالجهة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الفلاحة تصبح أكثر حساسية للجفاف والتساقطات والموسم الزراعي.
وهذا ما يظهر بوضوح في فاس-مكناس.
بعد نمو بلغ 8,8 في المائة سنة 2023، تراجع معدل نمو الجهة إلى 1,6 في المائة سنة 2024، متأثرا بانخفاض أداء القطاع الفلاحي.
في المقابل، تستفيد الجهات ذات القاعدة الصناعية والخدماتية المتنوعة من مصادر متعددة للنمو.

لماذا الدار البيضاء عصية على المنافسة؟

الجواب لا يتعلق فقط بعدد الشركات الموجودة فيها.
فالدار البيضاء راكمت، على مدى عقود، منظومة اقتصادية يصعب نقلها بقرار إداري إلى جهة أخرى.
توجد فيها المراكز المالية، ومقار الشركات الكبرى، والبنوك، وشركات التأمين، والخدمات المهنية، وجزء كبير من الصناعة والتجارة واللوجستيك.
كل شركة جديدة تجد حولها محامين ومحاسبين وأبناكا وموردين وشركات تكنولوجيا وموارد بشرية وشبكات أعمال.
في الاقتصاد، يسمى هذا أحيانا أثر التكتل أو agglomeration effect.
فالنشاط الاقتصادي يجذب نشاطا اقتصاديا جديدا.
حتى استهلاك الأسر يتركز في الجهات نفسها
فقد بلغت نفقات الاستهلاك النهائي للأسر 944,1 مليار درهم سنة 2024.
لكن خمس جهات استحوذت وحدها على 74,4 في المائة من إنفاق الأسر.
الدار البيضاء-سطات وحدها تمثل 25,3 في المائة من الاستهلاك، تليها الرباط بـ14,8 في المائة، وطنجة بـ11,6 في المائة، وفاس-مكناس بـ11,4 في المائة، ثم مراكش-آسفي بـ11,3 في المائة.
وارتفع متوسط الفارق المطلق في نفقات الاستهلاك بين الجهات من 48,5 مليار درهم إلى 51,5 مليار درهم.
وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى المستثمر.
فالشركة لا تبحث فقط عن مكان الإنتاج، بل عن مكان وجود الزبون.
وكلما تركزت القدرة على الاستهلاك في عدد محدود من الجهات، زادت جاذبية هذه الجهات للاستثمار التجاري والخدماتي.
ثم تبدأ دائرة اقتصادية يصعب كسرها: الدخل يجذب الاستهلاك، والاستهلاك يجذب الشركات، والشركات تخلق الوظائف، والوظائف تجذب السكان والكفاءات، فتزداد قوة السوق المحلية.

نصيب الفرد من الثروة.. ارقام تحتاج إلى تفسير

تتصدر الداخلة-وادي الذهب ترتيب الناتج الداخلي الإجمالي للفرد بـ92.904 دراهم، تليها العيون-الساقية الحمراء بـ73.718 درهما، ثم الدار البيضاء-سطات بـ67.859 درهما.
والمعدل الوطني هو 43.891 درهما للفرد.
لكن الناتج الداخلي الإجمالي للفرد لا يعني أن كل شخص في الداخلة يحصل على 92 ألف درهم سنويا.
المؤشر يقسم قيمة ما ينتجه اقتصاد الجهة على عدد سكانها.
وبالتالي، يمكن لجهة ذات عدد سكان محدود وأنشطة اقتصادية قوية مثل الصيد البحري أن تسجل ناتجا مرتفعا للفرد.
لذلك فهو مؤشر على كثافة إنتاج الثروة مقارنة بالسكان، وليس قياسا مباشرا لدخل كل مواطن أو أجره أو مستوى ثروته الشخصية.
وهذا التفريق ضروري حتى لا تتحول أرقام الناتج الجهوي إلى قراءة مضللة لمستوى عيش السكان.
الجهوية الاقتصادية لا تزال متأخرة عن الجهوية الإدارية، ففي العمق، تقول أرقام 2024 شيئا يتجاوز ترتيب الجهات.
المغرب أعاد بناء خريطته الإدارية حول 12 جهة، ومنح المجالس الجهوية أدوارا أوسع في التنمية والاستثمار.
لكن الاقتصاد لا يزال يتحرك وفق خريطة أكثر تركيزا.
هناك محور اقتصادي ثقيل يمتد من الدار البيضاء نحو الرباط ثم طنجة، وتدعمه الصناعة والخدمات والمال واللوجستيك.
في المقابل، لا تزال جهات أخرى مرتبطة بدرجة أكبر بالفلاحة أو نشاط اقتصادي رئيسي واحد.
والخطر ليس أن تكون الدار البيضاء قوية أو أن تتقدم طنجة. وجود أقطاب اقتصادية قوية أمر طبيعي في الاقتصادات الحديثة.
المشكلة تبدأ عندما تصبح قدرة جهة على خلق الثروة مرتبطة بموقعها أكثر من ارتباطها بقدرتها على تطوير تخصص اقتصادي تنافسي.
أرقام 2024 تقول إن الاقتصاد المغربي ينمو، لكنها تقول أيضا إن مكان إنتاج هذه الثروة أصبح أكثر تركيزا.
فثلاث جهات تنتج 58,4 في المائة من الناتج الوطني، وجهتان فقط تنتجان نحو 60 في المائة من القيمة المضافة للقطاع الثانوي، وخمس جهات تستحوذ على ثلاثة أرباع استهلاك الأسر.

لهذا، فإن السؤال الذي تطرحه حسابات المندوبية السامية للتخطيط ليس: أي جهة نمت أكثر؟

السؤال الأهم هو: هل يستطيع المغرب بناء أقطاب اقتصادية جديدة خارج الدار البيضاء والرباط وطنجة، أم أن النمو المقبل سيجعل الجهات الغنية أكثر قوة، حتى عندما تنمو الجهات الأقل وزنا بوتيرة أسرع؟

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من اقتصاد

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق