«المصباح» يرفع خطاب الدفاع عن ابن كيران إلى مستوى “الدول”.. وينتقد بالونات الاختبار
لم يتعامل حزب العدالة والتنمية مع الجدل الذي أعقب تصريحات أمينه العام عبد الإله ابن كيران في الصويرة باعتباره مجرد سجال سياسي أو إعلامي عابر. ففي بلاغ مطول صدر عقب اجتماع أمانته العامة، انتقل الحزب من الدفاع عن زعيمه إلى استدعاء قاموس أثقل سياسيا ودستوريا: «أمير المؤمنين»، «رئيس الدولة»، «الملكية الدستورية»، «دوام الدولة»، «الحكم بين المؤسسات»، و«استقلال البلاد وحوزة المملكة».
فهذا الاختيار اللغوي لا يبدو اعتباطيا، فالبلاغ، المؤرخ في 12 يوليوز 2026، جاء بعد أيام من الجدل الذي أثارته كلمة ابن كيران في مهرجان حزبي بالصويرة يوم 4 يوليوز، ثم اعتذاره لاحقا عن استعمال وصف «قندوح»، مع تأكيده التمسك بباقي ما ورد في خطابه.
غير أن الأمانة العامة ذهبت أبعد من مجرد تسجيل التضامن مع أمينها العام. فقد حرصت، في صياغة شديدة الدلالة، على التأكيد أن ابن كيران يقوم بدوره في التأطير السياسي «في إطار ثوابت الأمة الجامعة»، وفي مقدمتها، حسب البلاغ، «واجب التوقير والاحترام والوفاء لجلالة الملك أمير المؤمنين، باعتبار جلالته رئيس الدولة وممثلها الأسمى ورمز وحدة الأمة وضامن دوام الدولة واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها».
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ماذا يقول العدالة والتنمية؟ بل إلى من يقول ذلك؟
رسالة تتجاوز الصحافة والخصوم الحزبيين
ظاهريا، يتحدث البلاغ عن «حملات مغرضة» تقودها بعض الجهات ضد الحزب وأمينه العام، وعن تأويلات تسعى، بحسب قيادة «المصباح»، إلى إثارة «عناصر التفرقة والتجزيء».
لكن قراءة بنية البلاغ تكشف أن الرد لا يبدو موجها أساسا إلى المواقع الإخبارية أو خصوم ابن كيران داخل الأحزاب.
فالصحافة لا تحتاج إلى شرح موقع الملك في البناء الدستوري المغربي، كما أن الخصوم الحزبيين يعرفون الموقف السياسي المعلن للعدالة والتنمية من المؤسسة الملكية.
لذلك، يمكن قراءة هذه الفقرة باعتبارها رسالة طمأنة سياسية إلى دوائر أوسع داخل الدولة، في لحظة انتخابية دقيقة يحاول فيها الحزب العودة بقوة إلى المشهد بعد هزيمة 2021.
الحزب يقول، بصياغة تكاد تكون مباشرة: انتقادنا حاد، وخطاب ابن كيران قد يكون صداميا، لكننا لا نتحرك خارج سقف الملكية الدستورية ولا ننازع المؤسسة الملكية موقعها داخل النظام السياسي.
وهذه، في السياق المغربي، ليست تفصيلا لغويا.
هل شعر «المصباح» بأن خطاب ابن كيران جرى نقله إلى منطقة أكثر حساسية؟
اللافت أن البلاغ نفسه يشيد باعتذار ابن كيران عن «وصف» استعمله في الصويرة، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الاعتذار يعكس «استقلالية تامة وفق مرجعيته ومنهجيته في العمل السياسي».
هذه العبارة تحديدا تستحق الانتباه، فالحزب لا يقول فقط إن أمينه العام اعتذر. بل يحرص على القول إن الاعتذار صدر بإرادته الشخصية، وإن موقفه «ليس غريبا عن الحزب وأمينه العام».
وبذلك يبدو أن قيادة العدالة والتنمية تحاول إدارة معادلة شديدة الحساسية: التراجع عن لفظة أثارت الجدل، دون السماح بترسيخ صورة أن ابن كيران تلقى توجيها أو ضغطا أجبره على التراجع.
وهو ما يجعل البلاغ أقرب إلى عملية ضبط سياسي للأضرار: طمأنة الدولة من جهة، والحفاظ على صورة الزعيم المستقل أمام القاعدة الانتخابية من جهة أخرى.
ابن كيران يعود إلى المعادلة القديمة: «أنا مع الملكية لكنني ضد من يتحدث باسمها»
هذه ليست المرة الأولى التي يجد فيها العدالة والتنمية نفسه أمام هذا النوع من الجدل.
ففي بلاغ سابق، صدر في 14 يونيو، اتهم الحزب «بعض المواقع والأقلام والأصوات» بمحاولة «الوقيعة بين الحزب ومختلف مؤسسات الدولة»، مؤكدا أن خطابه يقوم على احترام «الثوابت الوطنية الجامعة ومقتضيات الدستور ومكانة مختلف المؤسسات الوطنية».
تكرار الفكرة نفسها في بلاغين متقاربين زمنيا يكشف أن قيادة «المصباح» ترى أن هناك معركة سياسية تدور حول تأويل خطاب ابن كيران وعلاقته بمؤسسات الدولة.
وهنا يستعيد الحزب إحدى المعادلات التي بنى عليها ابن كيران جزءا مهما من خطابه السياسي خلال السنوات الماضية: الفصل بين الولاء للمؤسسة الملكية وبين الصدام مع فاعلين أو شخصيات أو مراكز نفوذ يعتبر الحزب أنها تحاول الاحتماء بالقرب من الدولة.
بمعنى آخر، يحاول ابن كيران أن يقول: انتقادي لشخص قريب من دوائر القرار لا يعني انتقاد الملكية، وخصومتي مع فاعل نافذ لا تمنحه حق تحويل الخلاف معه إلى خلاف مع الدولة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم إصرار البلاغ على تعريف الملك، دستوريا وسياسيا، باعتباره «الحكم الأسمى بين المؤسسات».
إنها صياغة يمكن قراءتها كطلب ضمني بأن يبقى الصراع انتخابيا وسياسيا، وألا يُرفع خلاف الحزب مع خصومه إلى مستوى صراع مع المؤسسة الملكية.
من هو المخاطب غير المسمى؟
البلاغ لا يسمي جهة داخلية بعينها، وهنا ينبغي التمييز بين ما يقوله النص صراحة وما يمكن استنتاجه سياسيا منه.
صراحة، يتحدث الحزب عن «بعض الجهات» و«الحملات المضللة» و«بالونات اختبار» تحاول، حسب تعبيره، تسويق أن نتائج الانتخابات أصبحت محسومة لفائدة «جهة وأسماء معينة».
لكن الحزب يذهب بعد ذلك مباشرة إلى التأكيد أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات مجلس النواب.
هذا الربط ليس بريئا من الناحية السياسية، فالرسالة تبدو موجهة إلى كل من يروج داخل الحقل السياسي أو الانتخابي لفكرة أن هندسة حكومة ما بعد 23 شتنبر قد حُسمت سلفا.
والعدالة والتنمية يريد أن يعيد النقاش إلى نقطة دستورية واضحة: أولا صناديق الاقتراع، ثم الحزب المتصدر، ثم تعيين رئيس الحكومة من داخله.
لذلك، فإن المخاطب الحقيقي في هذا الجزء ليس حزبا واحدا بالضرورة، بل ما يعتبره «المصباح» مناخا سياسيا يسعى إلى إقناع الناخب بأن نتيجة 2026 محسومة قبل التصويت.
البلاغ نفسه يقول إن هذه الحملات تطلق «بالونات اختبار» وتسوّق أن مخرجات العملية الانتخابية «أضحت محسومة لفائدة جهة وأسماء معينة».
العدالة والتنمية يخوض انتخابات 2026 بجروح 2021.
فالحزب الذي قاد الحكومة لعقد كامل انتقل في انتخابات شتنبر 2021 من 125 مقعدا إلى 13 مقعدا فقط، في واحدة من أعنف الهزائم الانتخابية في التاريخ السياسي المغربي الحديث.
ومنذ عودة ابن كيران إلى قيادة الحزب، تقوم عملية إعادة البناء السياسي على فرضية أساسية: أن «المصباح» قادر على استعادة جزء من قاعدته الانتخابية إذا نجح في إعادة تقديم نفسه باعتباره قوة سياسية مستقلة في مواجهة الحكومة والمصالح الاقتصادية وتضارب المصالح.
لهذا فإن أخطر سيناريو بالنسبة إلى الحزب هو إقناع ناخبيه قبل الاقتراع بأن التصويت عليه لن يغير شيئا لأن الحكومة المقبلة حُسمت مسبقا.
من هنا يمكن فهم حدة العبارة التي استعملتها الأمانة العامة بشأن «القفز على المشهد السياسي والعملية الانتخابية ونتائجها».
فرسالته إلى قواعده واضحة: لا تصدقوا أن النتيجة انتهت، ولا تتعاملوا مع الانتخابات باعتبارها إجراء شكليا، لأن الدستور يجعل تصدر الانتخابات مدخلا لتعيين رئيس الحكومة.
لكن البلاغ يحمل أيضا رسالة إلى الداخلية والحكومة، فالأمانة العامة لم تكتف بالدعوة إلى المشاركة في الانتخابات، بل وجهت نداء مباشرا إلى الحكومة و«مختلف الفاعلين الرسميين والحزبيين المعنيين بالانتخابات» من أجل القطع مع الترحال السياسي وتزكية مرشحين «لا علاقة لهم بالسياسة».
هذا المقطع يأتي في لحظة تشهد فيها الخريطة الحزبية المغربية حركة انتقال واسعة للمنتخبين والأعيان بين الأحزاب، خصوصا مع شروع قيادات الأحزاب في الإعلان المبكر عن التزكيات.
والعدالة والتنمية، الذي لا يملك شبكة الأعيان نفسها التي تتوفر عليها أحزاب الأغلبية، لديه مصلحة انتخابية مباشرة في تحويل الترحال السياسي إلى قضية أخلاقية وديمقراطية.
حين يطالب «المصباح» الإدارة بالالتزام بـ«الحياد الإيجابي»، فهو يقول ضمنيا إن معركته لا تجري فقط مع الأحزاب، بل داخل بيئة انتخابية يخشى أن تعيد إنتاج اختلالات يعتبر أنها ساهمت في سقوطه سنة 2021.
فحتى ملف المحاماة دخل في بناء رواية «الحزب المستهدف» فالأمانة العامة تهاجم «السلوك الهيمني للحكومة» وتتهم الأغلبية باستعمال أغلبيتها العددية لتمرير قوانين لم تحظ بالتوافق مع الفاعلين المعنيين.
هذا الموقف يخدم بناء رواية سياسية أوسع يحاول الحزب تكريسها قبل الانتخابات: حكومة قوية عدديا لكنها مغلقة سياسيا، وأغلبية تمرر النصوص بمنطق الأصوات لا بمنطق التوافق.
بلاغ سياسي أم وثيقة دفاع عن شرعية العودة؟
في ظاهره، بلاغ الأمانة العامة للعدالة والتنمية وثيقة مواقف حول غزة وإيران والمحروقات والمحاماة والانتخابات.
لكن عند قراءة تسلسل فقراته، يظهر خيط سياسي واحد يربط معظمها.
الخزب يستعد للعودة، ولأنه يعرف أن عودته ستعيد معه خطاب ابن كيران الصدامي، فإنه يحاول منذ الآن تحديد حدود هذه العودة: معارضة قوية للحكومة، مواجهة المصالح الاقتصادية، التشكيك في سوق التزكيات، مهاجمة ما يسميه الحملات الموجهة، لكن مع التشديد بصورة لافتة على الوفاء للمؤسسة الملكية والملكية الدستورية.
ويبقى السوال الأهم هو: لماذا احتاج الحزب، في يوليوز 2026 وقبل أسابيع من الانتخابات، إلى أن يشرح بهذا التفصيل أن ابن كيران يحترم الملكية ويؤمن بدورها الدستوري؟
الجواب المحتمل يوجد بين سطور الوثيقة نفسها.
يبدو أن قيادة «المصباح» تستشعر أن المعركة حول عودتها لم تعد تدور فقط حول عدد المقاعد التي ستحصل عليها، بل حول الصورة السياسية التي ستُبنى لهذه العودة داخل الدولة والرأي العام.
ومن ثم، فالبلاغ يحمل رسالتين في ورقة واحدة: إلى قواعد الحزب، «لا تخافوا ولا تعتبروا الانتخابات محسومة»؛ وإلى من يعنيهم الأمر داخل الحقل المؤسساتي، «نحن نعارض الحكومة والفاعلين النافذين، لكننا لا نعارض الدولة ولا الملكية».
وهذا الفصل تحديدا هو الذي يحاول عبد الإله ابن كيران إعادة بنائه قبل انتخابات 23 شتنبر.
التعاليق