المذهب المالكي وترسيخ شرعية الدولة بالمغرب (1)
لعب الفاتحون العرب دورا أساسيا في نشر الدين الإسلامي بوصفه عقيدة دينية وسياسية تقوم بالأساس على فكرة التوحيد. فالدعوة الإسلامية لم تكن فقط دعوة للإيمان بوحدانية الله؛ بل كانت دعوة تهدف إلى خلق “أمة واحدة منسجمة تؤمن بالله الواحد وترتبط بمصير مشترك تتجاوز بذلك التعددية القبلية وتعدد مراكز السلطة”. لذا فتجاوب المغاربة مع هذه الدعوة لم يكن بسبب قوة «سيف الفتح» فقط؛ بل أيضا لأن المفاهيم التي تتمحور عليها هذه الدعوة كانت تتلاءم والاتجاه التطوري الذي كان ينحوه المغاربة نحو التوحد وخلق أمة متماسكة.
لكن هناك عدة عوامل ساعدت على ترسيخ المذهب المالكي بالمغرب، والتي يمكن تصنيفها فيما يلي:
أولا: العوامل الإقليمية التي تتحدد في الدور الكبير الذي لعبته الخلافة الأموية بالأندلس في انتشار المذهب المالكي بالمغرب وتبعية بعض الإمارات المغربية لسياستها.
ثانيا: العوامل الفكرية التي تتلخص في اتصال المغرب المباشر والمتصل بالشرق الإسلامي وخاصة شبه الجزيرة العربية.
ثالثا: العوامل الجغرافية، والتي تتجسد في الهيمنة شبه التامة للمذهب في مناطق المغرب العربي.
لكن العامل الحاسم في ترسيخ هذا المذهب بالمغرب كان هو:
“حمل سلاطين المغرب رعاياهم على الالتزام به… مساندة السلطة للمذهب واعتمادها عليه”.
أي بمعنى آخر، إن التوظيف الرسمي للمذهب هو الذي أدى إلى ترسيخه في المغرب. وهكذا فقد استخدم المذهب المالكي لتحقيق ثلاث مهمات رئيسية:
• استخدامه كمصدر للتشريع
• إضفاء الشرعية على الحكم
• استخدامه في تكوين أطر الدولة
1- المذهب المالكي كإطار تشريعي للدولة
يتميز المذهب المالكي بمجموعة من الخصائص الفقهية، ومن أهمها:
أولا: ضبط الأحاديث النبوية التي تم الاتفاق عليها.
ثانيا: الاستناد إلى روايات أهل المدينة وما كانوا عليه من فقه وتشريع ومعاملات.
ثالثا: بساطته.
رابعا: شكلانيته.
خامسا: تقنينه لنمط معيشي.
وتعتبر هذه الخاصية الأخيرة من أهم مميزات المذهب المالكي؛ بحيث إن أهم أسس وأصول المذهب تم تدوينها في الموطأ. فقد روى علماء الأخبار أن الخليفة أبا جعفر المنصور العباسي قال لابن مالك:
“ضع للناس كتابا احملهم عليه وليكون مرجعا رسميا لهم وقانونا يسترشدون به.”
وبالتالي، فإذا تمعن المرء في كتاب الموطأ سيجده في آخر المطاف عبارة عن “مدونة قانونية” اهتمت بتقنين كل أوجه الحياة التي يجب أن تحدد سلوك المسلم في إطار منظومة اجتماعية – اقتصادية – سياسية معينة.
وهكذا كتب الموطأ وفق تبويب قانوني صرف، حيث قُسِّم إلى 28 كتابا وردت على الشكل التالي:
أولا: العبادات
1. كتاب الصلاة
2. كتاب الزكاة
3. كتاب الصيام
4. كتاب الاعتكاف
5. كتاب الحج
6. كتاب الجهاد
ثانيا: الشعائر الدينية
7. كتاب النذور والإيمان
8. كتاب الضحايا
9. كتاب الذبائح
10. كتاب الصيد
11. كتاب العقيقة
ثالثا: الأحوال الشخصية
12. كتاب الفرائض
13. كتاب النكاح
14. كتاب الطلاق
15. كتاب الرضاع
رابعا: الأحوال المدنية
16. كتاب البيوع
17. كتاب القرض
18. كتاب المساقاة
19. كتاب كراء الأرض
20. كتاب الشفعة
خامسا: العتق
21. كتاب الأقضية
22. كتاب العتاقة والولاء
23. كتاب المكاتب
24. كتاب المدبر
سادسا: العقوبات
25. كتاب الحدود
26. كتاب الأشربة
سابعا: الدية
27. كتاب العقول
28. كتاب القسامة
ويبدو من خلال هذا التبويب أن هناك “خلفية قانونية” حددت وضع المضامين الفقهية للموطأ، يمكن استنتاجها من خلال ما يلي:
أولا: وجود ميادين قانونية محددة ومفصلة.
ثانيا: تبويب كل ميدان إلى مجموعة من الكتب.
ثالثا: تبويب كل كتاب وفق مجموعة من الأحاديث تشبه إلى حد ما فصول القوانين العصرية.
من خلال هذا العرض، يتبين أن الموطأ هو إطار قانوني يتضمن ضبط وتنظيم مختلف أشكال المعاملات، سواء العبادية أو الشعائرية أو التجارية أو الجنائية، إلى غير ذلك من الميادين.
إذن فلا غرْوَ أن اتخذته الأنظمة التي تعاقبت على حكم المغرب إطارا قانونيا وتشريعيا، وفرضته في مختلف أنحاء المغرب لتنظيم تعاملات الرعايا وضبط سلوكها.
لذا فقد حرص المرابطون على تطبيق موطأ ابن مالك اقتداء بأمويي الأندلس من جهة، واتباعا لإيديولوجية النظام المالكي من جهة أخرى. وهذا ما يفسر بطبيعة الحال انتشار “المختصرات” و”المدونات” و”المصنفات” التي لم تكن إلا “اجتهادات” قضائية وفقهية تطلبتها الممارسة القضائية لموطأ ابن مالك.
وقد تابع الموحدون نفس السياسة باعتمادهم على الموطأ في إصدار الأحكام. فمعاداة كتب الفروع المالكية وتحريقها لا يدل على معاداة المذهب المالكي، ولكنه يدل فقط على مناهضة المنهج الفروعي التي جرت عليه تلك الكتب، بدليل اعتماد الموحدين عموما موطأ مالك أصلا من أصولهم والدرس الدائب له.
أي بمعنى آخر، فالاختلاف العقائدي والإيديولوجي مع المرابطين وفقهائهم لم يمنع الموحدين من اعتماد الموطأ كإطار قانوني وتشريعي للدولة.
وبعد صعود المرينيين إلى الحكم، أصبح المذهب المالكي المذهب الرسمي للدولة بدون منازع، بحيث “أصبح في هذا العهد كامل السيادة، ولم يعد ينافسه أي مذهب ديني آخر”.
ولعل ما يظهر ذلك انتشار المصنفات الفقهية التي تفسر المذهب المالكي والموطأ بصفة خاصة. وهكذا أشار حركات إلى أن بداية العهد المريني تميزت بوجه خاص بـ:
“كثرة المؤلفات في الفرائض، وتعدد الشروح الفقهية وبوجه خاص على الرسالة ومتن خليل، وتعددت التقاييد على المدونة وكراسي تدريسها.”
ويمكن تفسير هذه “الفورة الفقهية” بالعوامل التالية:
أولا: مساندة الفقهاء المالكيين للمرينيين في صراعهم مع الموحدين.
ثانيا: تبني المرينيين للمذهب المالكي.
ثالثا: توحيد المرينيين لنظام التشريع والقضاء.
وقد تضافرت هذه العوامل مجتمعة لهيمنة المذهب المالكي في الميدان القانوني والقضائي؛ حيث أصبح المذهب المالكي في عهد المرينيين يسيطر وحده في ميدان التشريع والعبادات، مثلما كان الأمر في عهد المرابطين، بل إن المرينيين عملوا في إطار توحيدهم للنظام القضائي بالمغرب على محاولة تعميم تطبيق المذهب المالكي في سائر المحاكم المغربية.
التعاليق