رشيد خالص
رشيد خالص
الخميس 07 أغسطس 2025 - 04:37

المحكمة الدستورية تسقط قانون المسطرة المدنية الذي تقدم بها عبد اللطيف وهبي

في قرار دستوري بالغ الأهمية، قضت المحكمة الدستورية المغربية بعدم مطابقة عدد من المقتضيات الأساسية في مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 23.02 للدستور، وذلك بعد إحالة النص من طرف رئيس مجلس النواب دون تحديد مواد معينة، فيما يعرف قانونياً بـ”الإحالة البيضاء”، مما أتاح للمحكمة فحص النص كاملاً وانتقاء ما تراه مخالفاً لمقتضيات الوثيقة الدستورية.

وقد صدر القرار تحت رقم 255/25 م.د بتاريخ 4 غشت 2025، وأفضى إلى إبطال عدد من المواد التي اعتبرتها المحكمة تمس بمبادئ دستورية جوهرية، من بينها حقوق الدفاع، الأمن القضائي، فصل السلط، واستقلالية القضاء.

إحالة بيضاء تفتح المجال لفحص شامل

الإحالة التي قام بها رئيس مجلس النواب لم تتضمن أي ملاحظات أو اعتراضات تفصيلية، بل أحالت النص التشريعي في صيغته النهائية التي صادق عليها مجلس المستشارين. واعتبرت المحكمة أن هذا النوع من الإحالة يمنحها كامل الصلاحية لتحديد المواد التي تستوجب الفحص الدستوري، وهو ما قامت به بالفعل، مركزة على الفصول التي تشكل، بحسبها، مساساً جوهرياً بالحقوق الدستورية.

وفي ختام قرارها، قالت المحكمة صراحة: “ومن غير حاجة لفحص دستورية باقي مواد ومقتضيات القانون المحال”، وهو الأمر الذي يفسد ضمنياً أن إسقاط هذه المواد ينسف تماسك النص القانوني ككل، ويستوجب إعادته للمربع الأول.

مواد جوهرية خارج الدستور

شملت المواد التي تم التصريح بعدم دستوريتها مقتضيات مركزية في مسطرة التقاضي، ومن أبرزها:

  • المادة 17 (الفقرة الأولى)

منحت للنيابة العامة إمكانية طلب بطلان المقررات القضائية النهائية بدعوى مخالفة النظام العام، خلال أجل يمتد إلى خمس سنوات، ودون تقيد بآجال الطعن.

– المحكمة رأت أن هذا النص يمس بشكل مباشر مبدأ الأمن القضائي، ويهدد استقرار الأحكام، لكونه يمنح سلطة تقديرية واسعة للنيابة العامة دون ضوابط قانونية دقيقة.

  • المادة 84 (الفقرة الرابعة، الجزء الأخير)

تتعلق بكيفية تبليغ الاستدعاءات القضائية، حيث تسمح بتسليمها لأشخاص في محيط المعني دون التحقق من السن أو العلاقة، اعتماداً على تقدير المكلف بالتبليغ.

– المحكمة اعتبرت أن هذه الصيغة فضفاضة، وتفتح الباب للشك، بما يخل بحق الدفاع ويقوض الثقة في الإجراءات القضائية.

كما تم إسقاط جميع المواد الأخرى التي تحيل على هذه الفقرة، ومنها: المواد 97، 101، 105، 123، 229، 323، 500، وغيرها.

  • المادة 90 (الفقرة الأخيرة)

تتعلق بإمكانية حضور الجلسات عن بعد، لكنها لا تحدد شروط الحضور، ولا الضمانات المرتبطة بالتقنيات المستعملة والتواصل الآمن.

– المحكمة رأت أن ذلك ينتهك مبدأ علنية الجلسات وحقوق الدفاع، ويُبقي الأطراف في حالة قانونية غامضة.

  • المادتان 107 و364 (الفقرتان الأخيرتان)

حرمت الأطراف من التعقيب على مستنتجات المفوض الملكي للدفاع عن القانون والحق.

– المحكمة اعتبرت أن هذه المقتضيات تمس بحق التواجهية، وتُخل بتوازن الدفاع في القضايا المعروضة.

  • المادة 288

تتضمن إحالة خاطئة على مادة لا علاقة لها بالإجراءات المرتبطة بالوصايا، وهو ما اعتبرته المحكمة خللاً يمس بوضوح القاعدة القانونية.

  • المادة 339 (الفقرة الثانية)

تنص على أن القرار القضائي الرافض لطلب التجريح يجب أن يكون معللاً، ما يعني بمفهوم المخالفة أن القرار المؤيد لا يستلزم تعليلاً.

– المحكمة شددت على أن التعليل واجب دستوري لا يُستثنى منه أي قرار قضائي.

  • المادتان 408 و410 (الفقرتان الأولى في كل منهما)

تمنحان وزير العدل صلاحية تقديم طلبات إحالة لمحكمة النقض بشأن تجاوز القضاة لاختصاصاتهم أو في حالات التشكك المشروع.

– المحكمة اعتبرت أن هذا يمثل تدخلاً من السلطة التنفيذية في اختصاص السلطة القضائية، مما يتعارض مع مبدأ فصل السلط واستقلال القضاء.

  • المادتان 624 (الفقرة الثانية) و628 (الفقرتان الثالثة والأخيرة)

تمنحان وزارة العدل صلاحية تدبير النظام المعلوماتي القضائي، بما في ذلك تعيين القضاة المكلفين بالقضايا أو تغييرهم.

– المحكمة اعتبرت أن هذا يشكل خرقًا صريحًا لاستقلال القضاء، وأكدت أن هذه المهام يجب أن تبقى حصراً بيد السلطة القضائية.

قرار المحكمة، وإن لم يُعلن صراحة إبطال القانون برمته، إلا أنه أسقط مقتضيات محورية تمس جوهر المسطرة المدنية. وهو ما يجعل القانون، في صيغته الحالية، غير قابل للتطبيق دون تعديل عميق وشامل، ما يعني عملياً العودة إلى نقطة البداية في إعداد نص جديد أو مراجعة جذرية للمشروع الحالي.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق