المحامون يمددون إضرابهم.. أزمة قانون المهنة تدخل مرحلة المواجهة المفتوحة
أعلن مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية إلى إشعار آخر، مع استمرار تعليق العمل بنظام المساعدة القضائية تعيينًا وأداءً، في خطوة تصعيدية تُبقي التوتر قائمًا بين أصحاب البذلة السوداء والحكومة بشأن مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة.
وجاء القرار، وفق بلاغ أصدره المكتب عقب اجتماعه العادي المنعقد الاثنين 20 يوليوز 2026 بمقر الجمعية في الرباط، بعد تدارس مستجدات مشروع القانون ومآله عقب إحالته على المحكمة الدستورية.
واعتبرت الجمعية أن إحالة النص على المحكمة الدستورية تشكل محطة تدخل ضمن المسار المؤسساتي والدستوري للدولة، لكنها أكدت في المقابل أن هذه الخطوة لا تُنهي اعتراضاتها على مضمون المشروع ولا على الطريقة التي جرى بها إعداده وتمريره.
وكان مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة قد أُقر في قراءة ثانية بالبرلمان خلال يوليوز 2026، قبل إحالته على المحكمة الدستورية للبت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، وسط احتجاجات متواصلة من الهيئات المهنية للمحامين.
«أزمة منهج وثقة»
وصفت جمعية هيئات المحامين الخلاف القائم بأنه لا يتعلق فقط ببعض المواد القانونية، بل يمثل، بحسب تعبيرها، «أزمة منهج» ناتجة عن عدم احترام مبادئ الديمقراطية التشاركية، و«أزمة ثقة» بسبب ما اعتبرته تراجعًا عن تعهدات وتوافقات سابقة.
كما تتهم الجمعية مشروع القانون بتضمين مقتضيات تمس باستقلالية مهنة المحاماة وحصانتها وتنظيمها الذاتي، وهي اتهامات ظلت في صلب المواجهة بين الهيئات المهنية ووزارة العدل منذ بداية المسار التشريعي للنص.
ويهدف المشروع إلى مراجعة الإطار القانوني الحالي المنظم للمهنة، ولا سيما القانون رقم 28.08، من خلال إدخال تعديلات مرتبطة بشروط الولوج إلى المحاماة، والتكوين، والتأديب، والحكامة المهنية، والتدبير المالي، وممارسة المحامين الأجانب بالمغرب. غير أن عددًا من هذه المقتضيات تحول إلى مصدر خلاف حاد بين الحكومة والمهنيين.
استمرار المقاطعة يضغط على المتقاضين
عمليًا، يعني استمرار توقف المحامين عن تقديم خدماتهم احتمال تأجيل عدد كبير من الجلسات وتعطيل مساطر مرتبطة بحقوق المتقاضين، خصوصًا في القضايا التي يكون فيها حضور الدفاع ضروريًا.
ويزداد أثر القرار مع استمرار تعليق العمل بنظام المساعدة القضائية، الذي يتيح للفئات غير القادرة ماديًا الاستفادة من خدمات الدفاع. ولذلك لا تبقى المواجهة محصورة بين الحكومة والمحامين، بل تمتد تداعياتها إلى المواطنين الذين ينتظرون البت في ملفاتهم أو يحتاجون إلى مؤازرة قانونية.
وقد دخل التوقف المهني أسبوعه الخامس خلال يوليوز، بعد مراحل متتالية من الإضرابات والاحتجاجات والاعتصامات التي خاضها المحامون رفضًا للمشروع.
غير أن الحديث عن «شلل تام» للمحاكم يحتاج إلى قدر من الدقة؛ فالمؤسسات القضائية لا تتوقف رسميًا عن العمل، لكن غياب المحامين يؤثر بصورة مباشرة في انتظام الجلسات، وفي إمكانية مناقشة القضايا، وفي آجال التقاضي، وقد يحول استمرار المقاطعة دون السير الطبيعي لعدد واسع من الملفات.
تصعيد داخلي وتحرك دولي
وأكد مكتب الجمعية عزمه على مواصلة مختلف الأشكال الاحتجاجية والمؤسساتية والقانونية، وفتح مسارات للترافع على المستويين الوطني والدولي، دفاعًا عما وصفه بالمبادئ الكونية لمهنة المحاماة باعتبارها ركيزة من ركائز دولة الحق والقانون.
كما دعا المحاميات والمحامين إلى مواصلة الالتزام بقرارات مؤسساتهم المهنية، والتحلي بالانضباط واليقظة والتضامن، مع الإبقاء على حالة التعبئة استعدادًا لاتخاذ خطوات احتجاجية إضافية.
وأعلن المكتب عن عقد اجتماع مرتقب لمجلس جمعية هيئات المحامين بالمغرب، على أن يُكشف لاحقًا عن موعده ومكانه، في مؤشر على أن المسار الاحتجاجي لم يصل بعد إلى نهايته.
وتضع هذه التطورات وزارة العدل والهيئات المهنية أمام أزمة مركبة: فالمحامون يتمسكون باستقلالية مهنتهم وضماناتها، بينما أصبح استمرار التوقف يثقل كاهل المتقاضين ويضغط على سير العدالة.
وبين انتظار قرار المحكمة الدستورية واستمرار المقاطعة، يبقى السؤال الأبرز هو ما إذا كانت الحكومة والجمعية ستعودان إلى طاولة الحوار، أم أن قانون المهنة سيواصل إنتاج أزمة يدفع المتقاضي جزءًا كبيرًا من كلفتها.
التعاليق