“الماك” في الجزائر: كيف تحولت “قضية القبائل” إلى ساحة صراع داخلي وخارجي؟
على امتداد أكثر من عقدين، تحوّلت حركة “الماك” (حركة تقرير مصير منطقة القبائل) من عنوان مرتبط بسؤال الهوية والحقوق الثقافية في الجزائر، إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في توازنات الدولة والأمن والسياسة الخارجية. وبينما تقول الحركة إنها تعبر عن “حق تقرير المصير” وتتهم السلطات الجزائرية بـ“سد أفق الحوار”، تصنّفها الجزائر “منظمة إرهابية” وتربطها بما تعتبره تهديدًا للوحدة الوطنية، بل وتضعها في قلب سردية “المؤامرة الخارجية” التي تستهدف البلاد.
هذه القصة لا تُقرأ فقط داخل الحدود الجزائرية. فرنسا حضرت فيها مبكرًا، سياسيًا وإعلاميًا وقانونيًا، بحكم وجود جزء كبير من قيادة الحركة ونشاطها في الخارج، وبحكم حساسية ملف القبائل داخل الذاكرة الاستعمارية وما بعدها. ففي السنوات الأخيرة، ظهر الملف أيضًا في ارتدادات الأزمة المغربية-الجزائرية، ثم عاد ليطلّ من بابٍ غير متوقع: قضية صحافي فرنسي حُكم عليه في الجزائر بتهمة “تمجيد الإرهاب” على خلفية عمل صحافي مرتبط بالمنطقة وشخصية لها صلة بالحركة، وفق ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”.
من “الربيع الأسود” إلى مشروع سياسي خارج الحدود:
يربط كثير من المتابعين نشأة “الماك” بسياق “الربيع الأسود” سنة 2001 في منطقة القبائل، حين انفجرت احتجاجات واسعة بعد مقتل شاب داخل مقر للدرك، لتصبح المنطقة مركزًا لغضب اجتماعي وسياسي يلتقي فيه مطلب العدالة مع مطلب الاعتراف بالخصوصية الأمازيغية. في تلك المرحلة، تقدّم خطاب “الحكم الذاتي” باعتباره سقفًا سياسيًا ممكنًا داخل الدولة الجزائرية، لا مشروعًا انفصاليًا كاملًا.
لكن التحول الكبير جاء مع انتقال النشاط إلى الخارج، وخاصة باريس. ففي 2010 أعلن فرحات مهني من فرنسا ما سُمّي “حكومة مؤقتة” لمنطقة القبائل في المنفى (ANAVAD)، وهو ما اعتبرته السلطات الجزائرية خطوةً فاصلة نقلت الملف من مطلب إصلاحي داخلي إلى مشروع كيان سياسي موازٍ. وفي السنوات اللاحقة، ازداد الطابع “الدولاتي” في خطاب الحركة، قبل أن يعلن فرحات مهني في 2024 من أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك “ميلاد دولة القبائل” بصيغة رمزية، من دون أي اعتراف رسمي دولي.
هذا البعد الرمزي مهم لفهم طبيعة الحركة اليوم: فهي من جهة تحاول إنتاج “شرعية دولية” عبر الرموز (حكومة في المنفى، علم، بيانات خارجية، مخاطبة مؤسسات)، ومن جهة أخرى تصطدم بواقع ميزان القوى الدولي الذي نادرًا ما يفتح الباب أمام كيانات جديدة بلا اعترافات وحواضن سياسية كبرى.
في المقابل قامت الجزائر في ماي 2021، من خلال “المجلس الأعلى للأمن” بتصنيف حركة “الماك” (إلى جانب حركة “رشاد”) كـ“منظمتين إرهابيتين”. هذا الإعلان مثّل لحظة مفصلية: فهو لم يكتفِ بإدانة سياسية، بل نقل الملف إلى مربع مكافحة الإرهاب، بما يترتب عن ذلك قانونيًا وأمنيًا وقضائيًا.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت “الماك” جزءًا من خطاب رسمي يربطها بأحداث أمنية واتهامات ثقيلة، ويقدمها كأداة لتفكيك الدولة. في المقابل، ترى الحركة أن التصنيف هدفه “تجريم” خصوم سياسيين وتبرير القبضة الأمنية في منطقة عُرفت تاريخيًا بحساسيتها تجاه المركز وبحضور قوي للأحزاب والتيارات الأمازيغية.
هنا بالذات ينقسم النقاش داخل الجزائر إلى مستويين:
• مستوى يركز على الوحدة الوطنية ويعتبر أي مشروع انفصالي خطًا أحمر، خصوصًا في بلد تشكلت شرعيته التاريخية حول ثورة التحرير والذاكرة الجامعة.
• ومستوى آخر يقرّ بأن سؤال الحكامة واللغة والعدالة المجالية في القبائل (وفي مناطق أخرى) ساهم في خلق تربة سياسية تستغلها مشاريع متطرفة، ويرى أن الحل الأمني وحده لا يكفي لإغلاق الملف.
الحاضنة الشعبية: قوة رمزية أم هامش سياسي؟:
من أكثر الأسئلة تكرارًا: هل تملك “الماك” قاعدة اجتماعية واسعة داخل القبائل؟ كثير من التحليلات تعتبر أن الحركة، رغم حضورها الإعلامي، لا تمتلك إجماعًا داخل المنطقة نفسها، لأن جزءًا معتبرًا من النخب والأحزاب الأمازيغية في الجزائر يناضل داخل إطار الدولة، ويعتبر أن المعركة الأساسية هي توسيع الديمقراطية والاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية، لا تفكيك البلاد. وفي المقابل، تراهن الحركة على أن “الانسداد السياسي” والاحتقان الاجتماعي وملف الحريات يمكن أن يوسّع قاعدة التعاطف معها، خاصة في صفوف الشباب أو في الشتات.
اللافت أن هذا السجال لا يبقى نظريًا: فكل تشدد أمني أو اعتقال أو منع لنشاط مدني في المنطقة، يتحول فورًا إلى مادة تعبئة في خطاب “الماك” خارج البلاد، بينما تستعمله السلطات كدليل على ضرورة “حماية الدولة” من اختراقات أمنية.
فرنسا: ملاذ سياسي، بحساسية دبلوماسية:
تُعد فرنسا جزءًا بنيويًا من قصة “الماك”، ليس فقط بسبب وجود فرحات مهني ودوائر الحركة في الخارج، بل لأن ملف القبائل يتقاطع مع ثلاث دوائر فرنسية حساسة: الهجرة والشتات، حرية الصحافة، وإرث العلاقات الجزائرية-الفرنسية.
في ديسمبر 2025، سلطت تغطيات صحافية فرنسية الضوء على قضية مرتبطة بأحد أوجه هذا الصراع: فقد رفض القضاء الفرنسي تسليم شخص يقيم في فرنسا مطلوب للجزائر، في سياق ملفات تُحيل على الحركة وشبكاتها، وهو ما يعكس كيف يتحول الملف إلى معركة “ولاية قضائية” بين دولتين، لا مجرد خلاف سياسي.
ثم جاءت قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، بعدما ادانته السلطات الجزائرية بتهمة “تمجيد الإرهاب” بعد عمل صحافي تضمن صلة بمسؤول رياضي مرتبط بحركة “الماك” المصنفة إرهابية في الجزائر، بحسب وكالة “أسوشيتد برس”، ما أثار ردود فعل حقوقية وإعلامية وفتح نقاشًا أوسع حول استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في ملفات التعبير والعمل الصحافي.
في المحصلة، فرنسا تبدو في هذا الملف “لاعبًا غير مباشر”: لا تعلن دعمًا للحركة، لكن وجود قياداتها فوق أراضيها، وتحوّل باريس إلى منصة خطابها، يجعلانها طرفًا حاضرًا في نظر الجزائر، وسببًا دائمًا للتوتر عند كل منعطف دبلوماسي.
البعد الإقليمي للملف: من “المكايدة” إلى التصعيد:
تقول الجزائر إن أطرافًا خارجية تقف وراء الحركة أو تستعملها ورقة ضغط. وداخل هذه السردية الرسمية، يظهر المغرب كاسمٍ متكرر، خاصة منذ اشتداد القطيعة السياسية بين البلدين. وفي 2021، اندلعت أزمة دبلوماسية كبيرة بعد تداول رسالة/مراسلة السفير المغربي لدى الأمم المتحدة عمر هلال التي تحدثت عن “حق تقرير مصير” في القبائل، في لحظة قرأتها الجزائر كخطوة عدائية مباشرة وردًا على ملف الصحراء.
لكن المفارقة أن جزءًا مهمًا من النقاش المغربي الرسمي والحزبي يحرص على نفي تبنّي أي مشروع تقسيمي في المنطقة. ففي نهاية 2025، نقلت وسائل إعلام مغربية عن عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، رفضه لفكرة الانفصال في القبائل وتأكيده المبدئي على وحدة الدول.
وفي السياق نفسه، يستحضر مراقبون خطبًا سابقة للملك محمد السادس شددت على أن التعدد اللغوي والثقافي (العربية والأمازيغية) ليس مصدر انقسام، بل رافعة وحدة، وأن بناء الدولة الحديثة لا يقوم على تفجير الهويات بل على إدماجها. هذا المعنى ورد بوضوح في خطاب ملكي أكد أن العربية والأمازيغية “لن تكون أبدًا عامل تفرقة”، في لحظة كان فيها هاجس التفتيت حاضرًا في المنطقة.
هنا يلتقي السياسي بالإقليمي: لأن ملف “الماك” لم يعد موضوعًا جزائريًا داخليًا فقط، بل صار جزءًا من مناخ شمال أفريقيا حيث تُستعمل قضايا تقرير المصير والهويات المحلية أحيانًا كأوراق ضغط متبادلة، فتتحول المنطقة إلى مرآة لصراعات الدول بدل أن تكون مجالًا للتكامل.
إلى أين يتجه الملف؟ ثلاثة سيناريوهات واقعية:
سيناريو اول يقول باستمرار الوضع القائم من خلال مواصلة الجزائر التعامل الأمني الصارم مع الحركة، والحركة تواصل خطابها من الخارج مع محدودية تأثير داخلي وغياب اعتراف دولي. وهذا يبدو، حتى الآن، السيناريو الأكثر ترجيحًا. سيناريو ثاني يقول بتدويل أكبر دون اعتراف بتبني مزيد من الضغط عبر جماعات ضغط، منابر إعلامية، ملفات حقوقية، وقضايا مرتبطة بحرية التعبير والصحافة (مثل ملف غليز). قد يحرج هذا الجزائر دوليًا لكنه لا يعني تلقائيًا أي تغيير في خرائط الاعتراف.
سيناريو ثالث واخير يقول بتفكيك سياسي بدل تفكيك جغرافي وهو السيناريو الذي يطرحه كثيرون داخل الجزائر وخارجها بوصفه “مخرجًا عقلانيًا” من خلال فتح قنوات سياسية ومجتمعية تعالج جذور الاحتقان (التمثيل، التنمية، الحريات، الاعتراف الثقافي) بما يقلّص جاذبية المشاريع الانفصالية، دون أن يمنحها شرعية دولاتية.
في كل الأحوال، تبدو “الماك” اليوم أكثر من مجرد حركة انفصالية: إنها عنوان لصراع مركب بين الدولة والهوية، بين الأمن والسياسة، وبين الداخل والخارج. ومع كل موجة توتر جزائرية-فرنسية أو جزائرية-مغربية، يعود الملف ليظهر كجرس إنذار: أن منطقة شمال أفريقيا ما تزال تفتقر إلى آليات تبريد الأزمات، وأن “الهويات” حين تتحول إلى أدوات صراع إقليمي، تدفع الشعوب ثمنًا مضاعفًا — أمنًا وثقةً وتنميةً.
التعاليق