الفقيه بن صالح..مدينة بحجم الجرح
أشرف الحساني
تعد مدينة الفقيه بن صالح أحد أهم المدن التاريخية المغربية التي لعبت دورا طلائعيا في تاريخ المغرب الحديث، خاصة إذا علمنا أن المدينة أسست منذ القرن السادس عشر على يد فقيه نزح من مناطق مراكش لطلب العلم وقد ذكرها العلامة المختار السوسي في كتابه المعسول.
مذ كنت صغيرا بمدينة الفقيه بن صالح وأنا ألعب بجوار المعلمة التاريخية (الكنيسة) المتواجدة بالمدينة، والتي لم يفكر أعيان المدينة يوما في ترميمها بوصفها تراثا معماريا مشتركا بين أبناء المنطقة. و الشاهدة على زمن يعود إلى الاستقلال أو قبله بقليل، بل أتيحت لي الفرصة أكثر من مرة للدخول إليها والتجول بين مقاعدها المهترئة. وكانت هذه المعلمة أول مكان أصعد فيه إلى خشبة مسرح لأجسد إحدى الأدوار المسرحية التي أسندت إلى من طرف فرقة مسرح المدرسة التي كنت عضوا بها وأنا صغير رفقة مجموعة من الأصدقاء أغلبهم هاجر إلى ايطاليا بحثا عن كسرة خبز في مستنقعات جد باردة.
كانت تلك المعلمة الملاذ الآمن لنا ونحن صغار، تشبه الخلاص ونحن نهم بالهروب من شمس الصيف وزمهرير الشتاء، نرسم أحلامنا بأسناننا فوق ركح المسرح. لم نكن نعبأ لا بمهرجان ألف فرس ولا بالمواسم ولا بالأمسيات الدينية ولا حتى بالبحر الذي لم نراه إلا في كوابيسنا حين تباغتنا رسائل الأصدقاء في الليل لتخبرنا بأن فلان اعتقل والآخر مات في البحر غرقا، وهو يحلم أن يعود و يغرس في مدينته وردة. مازلت أتذكر جيداا ذلك المساء الماطر الذي أيقضتني فيه صديقتي سمية (تكبرني بسنوات) برسالة هاتفية لأنتظرها في منتصف الليل تحت أشجار البلدية. كان المطر ينهمر بقوة لدرجة أن دراجة جدي تعطلت في الطريق ولم أعد أرى أمامي غير خيوط المطر المضيئة. وجدتها سامقة في الظلام تتوجع من البرد وفي قلبها شيء من الفرح الطفولي وتحمل بين يديها “دمعة وابتسامة” لجبران خليل جبران. أخبرتني أنها حصلت على الفيزا للذهاب إلى إيطاليا وأنها ستذهب في الصباح الباكر إلى الرباط ثم إلى الباخرة مباشرة. عانقتني بحرارة وهي تبكي، لأني كنت صديقها الوحيد الذي كان يقرأ لها الكتب والرسائل التي كان يبعث لها حبيبها من إيطاليا بعد أن اعتبرتها عائلتها حمقاء… بعد أسبوع مباشرة وصلت الأخبار إلى الحي أن سمية ماتت غرقا في البحر بعد أن حاصرتها القوات البحرية وهي تهم بالدخول إلى أرض اسبانيا…عزيزتي سمية حين يسقط المطر ..أراك في آخر الزقاق من حارتنا تلوحين لي بصمت . ترسمين البسمة على وجوه الصغار وعلى العابرين والمنهوكين والعاطلين من أبناء الحي. عبثا أتذكرك هذا المساء صديقتي أراك في الخارج تبتسمين لي من زجاج المقهى لنتجول وحيدين تحت ضوء القمر…
اليوم وأنا أتجول وحيدا في المدينة كذئب الفرزدق تحت شمس لم تتعب منذ زمن بعيد من حرق جسدي النحيف، تلمست بعمق وألم مظاهر الحزن والكآبة المخيمة على جدرانها وبؤس العاطلين من أبناءها. لا شيء تغير. نفس الرائحة. ضحكات الأصدقاء في المقاهي وهم يرتشفون الشاي المنعنع. نكتهم الفاحشة. تلقائيتهم المعهودة. الغبار الملتصق بوجه المدينة. السيارات الفارهة. السحنات الداكنة.. مدينة الفقيه بن صالح رغم مظاهر الحضارة والحداثة المتبدية على جدرانها وسياراتها ومقاهيها مازال أعيانها لم يخرجوا بعد من سلفيتهم القاتلة للفن والجمال. مدينة تحس باحتضارها وبألمها ودموعها المتبدية على وجهها.
يحزنني اليوم بقوة أن أرى المدينة تنزع عنها عباءة الحداثة والتحرر وأشعار عبد الله راجع لتقدم نفسها قربانا لمد دعوي مرضي استبد بها مؤخرا، والذي باتت ترعاه جملة من الجمعيات الثقافية التي ينتمي أفرادها إلى حزب العدالة والتنمية والتي تتخذ من العمل الخيري شعارا لها. لا ندوات ولا أمسيات شعرية ولا معارض فنية ولا أشرطة سينمائية ولا قاعات مطالعة ، كيف سيتم تنمية هذه المدينة في أفق غير ثقافي وفني وفي أفق يجعل من الديني شعارا له على حساب الثقافي. وبغياب الكلي للمثقفين بالمدينة أصبحت هذه الجمعيات تتناسل كالفطر و تجعل من الأعمال غير الثقافية مكسبا لها للاسترزاق طيلة السنة بدعوى أنها تحارب الفكر المتزمت وتنير الرأي العام..
مدينة الفقيه بن صالح اليوم مرتع للبطالة وللانحراف بمختلف أشكاله، مركب ثقافي هو مجرد أطلال أو مجرد بناية حكومية لا معنى لها، برنامج سنوي هزيل تحس من خلاله بالغبن. اليس الجدير أن يسند إدارة المركبات الثقافية والجمعيات الثقافية إلى أشخاص مثقفين غير متخندقين في وحل السياسة؟ يحزنني ظهور هذه الجمعيات التي لا نعرف كيف بزغت ولا أي جهة تدعمها، جمعيات تحس بعجزها وبتفاهتها وبرنامجها السنوي المنخور. الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي الواسع عند ادوار تايلور هي آخر ما يشغل هذه الجمعيات الطفيلية..
• باحث جمالي وناقد فني

التعاليق