الفتح المبين.. من الحديبية إلى الصحراء المغربية
“إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا”، بهذه الآية استهل الملك محمد السادس خطابه التاريخي إلى الشعب المغربي بعد تصويت مجلس الأمن لصالح مبادرة الحكم الذاتي، في ما وصفه جلالته بـ”التحول التاريخي” في مسار قضية الصحراء المغربية.
لم يكن اختيار الآية اعتباطيًا؛ ففي كل العصور، كانت الآيات الأولى من خطابات الملوك والسلاطين تُختار بعناية لتكثف المعنى والرسالة.
لكن هنا، اختار الملك آية ترتبط بحدث ديني وسياسي كبير: صلح الحديبية، حين ظن المسلمون أنهم خسروا، فإذا بالقرآن ينزل ليقول: “فتحًا مبينًا”.
المعنى القرآني والسياسي للفتح:
الفتح في اللغة هو إزالة الإغلاق، وكشف الطريق بعد انسدادها. والفتح “المبين” هو الفتح الواضح نتائجه.
تاريخيًا، نزلت هذه الآية بعد صلح الحديبية، الذي بدا حينها تنازلًا، لكنه كان منعطفًا استراتيجيًا أنهى الحرب، وفتح المجال للتواصل والدعوة، ومهّد لاحقًا لفتح مكة.
من فتح الحديبية إلى فتح الصحراء:
في الخطاب الملكي، يظهر هذا المعنى بوضوح: المغرب لم ينتصر بالحرب، بل بالصبر الطويل، وبالشرعية الدولية، وبالذكاء السياسي الذي أقنع العالم بعدالة قضيته.
فبعد خمسين سنة من الكفاح الدبلوماسي، وبعد المسيرة الخضراء والتنمية في الأقاليم الجنوبية، جاء “الفتح” على شكل قرار أممي واضح يعترف بالحكم الذاتي كحل واقعي ونهائي.
مثل صلح الحديبية، بدا المسار المغربي في البداية طويلاً وشاقًا، لكنه اليوم يثمر نتائج ملموسة:
• أكثر من ثلثي دول العالم تعتبر الحكم الذاتي الإطار الوحيد للحل.
• قوى اقتصادية كبرى – الولايات المتحدة، فرنسا، إسبانيا، بريطانيا، روسيا – دعمت السيادة الاقتصادية على الأقاليم الجنوبية.
• مجلس الأمن أنهى الغموض وأقرّ أن الحل السياسي الوحيد هو الذي تقدمه المملكة.
هنا نفهم لماذا استشهد الملك بالآية: لأن ما تحقق ليس مجرد قرار سياسي، بل فتح وطني شامل أنهى نزاعًا وفتح بابًا لمغرب موحّد من طنجة إلى لكويرة.
سياسة “الفتح الهادئ”
الملك في خطابه لم يتحدث بلغة الغلبة، بل بلغة السِّلم والتعقّل. دعا إلى حوار أخوي مع الجزائر، وإلى مصالحة مع الإخوة في مخيمات تندوف، مؤكدًا أن “لا غالب ولا مغلوب” في هذا الحل.
هذه اللغة ليست لغة المنتصر المتعالي، بل لغة “الفتح الأخلاقي” التي تحدّث عنها علماء السياسة الشرعية: الفتح الذي يحفظ ماء وجه الجميع ويقيم العدل دون انتقام.
فتح العقد لا فتح السيف
في تراث السياسة الإسلامية، ميّز العلماء بين “فتح السيف” و”فتح العقد”.
الأول عسكري مؤقت، والثاني مؤسسيّ دائم.
وما قام به المغرب اليوم هو فتحٌ من النوع الثاني: فتح العقد الأممي والسياسي والدبلوماسي، الذي يصنع الشرعية ويمنح السلام بعد نصف قرن من المواجهة غير المتكافئة.
ان اية “إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا” ليست آية تزيينية في الخطاب الملكي، بل رسالة سياسية عميقة:
أن المعركة تُربَح بالتدرّج والشرعية لا بالضجيج، وبالوفاء للعهد لا بالانتقام.
وأن الفتح في زمن الدولة الحديثة هو بناء المؤسسات، وكسب الاعتراف، وإطفاء النزاع بالحكمة لا بالسلاح.
التعاليق