الأربعاء ٠٧ دجنبر ٢٠٢٢

العشق الرباني… واتحاد كتاب المغرب

الأثنين 24 أكتوبر 23:10

محمد المصباحي

وأخيرا، بعد أن طارت سكرة الاستقلال — قيل والله أعلم إن اتحاد كتاب المغرب نشأ في حضن الحركات الوطنية المغاربية من أجل استقلال أقطارها– اتضح أن فكرة توحيد الكتاب في جمعية واحدة فكرة مناقضة لفلسفة الكتابة نفسها، بل هي فكرة مخلة وهدامة ومتواطئة وخطيرة، ليس لكونها موروثة عن أنظمة شمولية، وليس بسبب وهم السلطة الذي يهيمن على المبدعين عموما، بل بسبب خطورة أن يجتمع الشعراء وكتاب القصة القصيرة والرواية ونقادهم جميعا، في حيّز أو مكان واحد، وأن تصبح لهم صفة جمعية ذات منفعة عامة بينما هي منفعة جد خاصة. وأن يكون لهم مقر ورئيس ورؤساء فروع وأعضاء وأتباع وطواويس وقطط وفئران وجدران صمّاء … يلتقون في موسم خاص، يسمونه المؤتمر، للتآمر على المؤتمرين. وكأنهم إخوة أشقاء أو أصدقاء حقيقيون، يناقشون قضايا وهمية وأسرار ومشاكل دولة وهمية، وينظمون لبعضهم حفلات توقيع وقراءات لا يحضرها سواهم و يصرون على نشر لوثاتهم على جمعيات و ملتقيات تجوب ربوع البلاد.

عفوا، إن كان من المعروف عالميا أن المبدع كائن غريب، يكتب واقفا وجالسا ومقرفصا وممددا على بطنه…لأنه كائن مرهف ومهزوم وحالم وأحمق ومكبوت و “ولد الزنقة “ومستعد أن يقع في الحب من أول نظرة…

حين تأتي جمعية وتوفر له ولهم الاختلاط… فلن تلوم سوى نفسها… فليس هناك أسهل من أن يرتمي كاتب في حضن كاتبة، والعكس، لأن كلاهما له استعداد فطري وإبداعي مجنون لذلك…

قد أستثني من ذلك — مستغلا طيبوبتكم — ظاهرة الكاتب زير النساء الذي يصبغ شعره وحاجبيه كل صباح، والكاتبة التي تخفي ضحالة ما تكتب خلف ماكياجها، وجرأتها في تنظيم الملتقيات. وظاهرة الكاتب زوج الكاتبة و الكاتبة زوجة الكاتب وظاهرة ترشيح الأحزاب السياسية لمن يمثلها في هذا العشق الرباني…

ها نحن نكتشف أن الإبداع عندنا لا يرتبط، كما ندعي، بالنمو الثقافي للبلاد والعباد بقدر ما يرتبط ويرتهن بلوثة الحب وفطرة التحرش.

يكفي عنوان قصة قصيرة واحدة لإذابة كاتب أو كاتبة في فنجان، ويكفي مطلع قصيدة واحدة لتجعل الإثنين عاشقين… ومجرد شذرة شاردة قد تغلب كاتبا وتذله وتركّعه وتفتح له آفاقا خيالية شاسعة لمعانقة الله.

اتقو جمع الكتاب في حيز واحد…لن تلومو إلا أنفسكم…

موقفي هذا ليس سياسيا وليس مواجهة لسلطة المؤسسة الثقافية وليس لكوني مقصيا أو مهمشا أو ذا سوابق أوناكرا لجميل الاتحاد… لا أحد يمكن أن يدعي اليوم أنه يكتب ضد المؤسسة وضد السلطة… ببساطة لأنها غير موجودة…. لا توجد سوى في مخيلة الكاتب…عشنا في السابق معارك ثقافية فعلية،أما الآن فموتَ محاربي الدانكيشوط.

المهم، أن نظل مطمئنين على فيروسنا الثقافي، كأن لا شيء حدث أو يمكن أن يحدث، باستثناء أن الكاتب مستعد دائما أن يعشق ويحب ويسافر ويطلق زوجته ويسكر إلى الصباح ويذهب إلى الحج. أما إذا توفرت له كل الشروط، الإجتماع والمقر والسلطة الوهمية والدعم والسفريات ومصر والخليج واليابان والصين…. فإنه لن يتردد في فتح قلبه. ولن يتردد في حزم حقائبه وصبغ شعره… فما بالك إن كان ذلك بليكي…أنا لا أتحدث عن الكتاب الذين ينظمون رحلات جد خاصة بالكاتبات إلى دول الخليج… الكاتب عابر للحدود، ومسافر أبدي، يعشق الخلجان ويحب النجوم والقمر …بدون اتحاد سنكون لا محالة في وضع أفضل… سنتشاجر ونواجه ونتمرد… وسنحب الناس ونسافر بعيدا عنا… كل واحد صحبة مشاعره الرقيقة القابلة للإنكسار… ولن يختلف كاتبان يبغضان ما يكتبانه، من كون المنافسة خلاقة والمواجهة تفجر الطاقات والمعارك الطاحنة أيضا.

لقد أفشى الإتحاد المحبة وحول عضوية أعضائه إلى عشق وزواج… لقد قضى على الشر الكامن في المبدعين، وجعلنا أصهارا …. مصائرنا واحدة وطريقة تفكيرنا واحدة وكتاباتنا واحدة… أصبحنا إنسانيين أكثر….أنا لا ألوم أحدا… أنا ألوم الفكرة وحدها….

أضف تعليقك

المزيد من مقالات

الأحد ٢٨ أغسطس ٢٠٢٢ - ١١:٤٩

الثقافة والنوم في العسل

الخميس ٠١ سبتمبر ٢٠٢٢ - ١٠:٤٠

المغرب وإشكالية تدبير الجوار المغاربي..عقيدة وعقد وأزمات

الإثنين ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٢ - ٠١:١٠

أعداء “الارتقاء الاجتماعي” والمدرسة العمومية

الإثنين ٠٦ يونيو ٢٠٢٢ - ١١:٠٠

المعرض الدولي للكتاب مليء باللصوص والمتحرشين